التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - نماذج من نقد الحديث ذاتيا
لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك. فكان قوله ما قال ... و مراجعته ربّه ... للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان حتّى خيّلت إليه أنّ النداء الذي سمعه كان من غير الملائكة. فقال: ربّ أنّى يكون لي غلام، مستثبتا في أمره ليتقرّر عنده بآية يريه اللّه في ذلك أنّه بشارة من اللّه[١].
[م/ ٣٥٦] هذا و قد روي عن قتادة قال: شافهته الملائكة. و مع ذلك فقد عاقبه اللّه إذ سأل الآية مع مشافهة الملائكة إيّاه بما بشّرته به[٢].
الأمر الذي استنكره النبهاء من المفسرين، القدامى منهم و المتأخرون.
قال القاضي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم السّلام إذ لو جوّزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كلّ الشرائع.
و أجاب بعضهم عن ذلك بما لا يفيد[٣].
أمّا الأستاذ عبده فقد وقف وقفته الحاسمة قائلا: و من سخافات بعض المفسّرين زعمهم أنّ زكريّا عليه السّلام اشتبه عليه وحي الملائكة و نداؤهم بوحي الشيطان، و لذلك سأل سؤال التعجّب، ثمّ طلب آية للتثبّت.
[م/ ٣٥٧] قال: و روى ابن جرير عن السّدي و عكرمة: أنّ الشيطان هو الذي شكّكه في نداء الملائكة و قال: إنّه من الشيطان!!
قال: و لو لا الجنون بالروايات مهما هزلت و سمجت لما كان لمؤمن أن يكتب مثل هذا الهزء و السخف الذي ينبذه العقل و ليس في الكتاب ما يشير إليه. و لو لم يكن لمن يروي مثل هذا إلّا هذا لكفى في جرحه، و أن يضرب بروايته على وجهه. فعفى اللّه عن ابن جرير إذ جعل هذه الرواية ممّا ينشر[٤].
أمّا سؤال زكريّا فكان عن وجد و اشتياق إلى لقاء الوعد، كيف و متى تتحقّق هذه البشارة السارّة. فجاءه الجواب: عند ما تؤمر بصيام الصمت ثلاثة أيّام. فتمسك عن الكلام إلّا بذكر اللّه.
فعند ذاك كان أوان تحقق الوعد المبشّر به.
و هكذا نجد الأستاذ شهما عند تفسير سورة الفلق، حيث مزدحم روايات سحر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
[١] المصدر: ٣٥٠- ٣٥١/ ٥٥٠٨.
[٢] المصدر: ٣٥٢/ ٥٥١١.
[٣] راجع: التفسير الكبير ٨: ٣٩. و الميزان ٣: ١٩٤- ١٩٥. و فيه بعض الغرابة!
[٤] المنار ٣: ٢٩٨- ٢٩٩.