التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٢ - نماذج من نقد الحديث ذاتيا
و أنّه سحر على يد لبيد بن أعصم اليهودي- قيل: كان خادما له- فكان يخيّل إليه أنّه فعل شيئا و لم يفعله. و القصّة- كما جاءت في الصحيحين[١]-.
[م/ ٣٥٨] حدثت بها عائشة، قالت: سحر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غلام يهودي يخدمه يقال له: لبيد ابن أعصم[٢]، حتّى كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء و ما يفعله.
[م/ ٣٥٩] و في لفظ آخر: سحر حتّى كان يرى أنّه يأتي النساء و لا يأتيهنّ.
[م/ ٣٦٠] و في رواية الإمام أحمد: قالت: لبث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ستة أشهر يرى أنه يأتي و لا يأتي[٣].
قال سفيان: و هذا أشدّ ما يكون من السحر[٤]. قالت: حتّى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول اللّه ثمّ دعا ثمّ دعا (ليكشف اللّه عنه). فاستخرج السحر و عوفي، فأنزل اللّه المعوّذتين، إحدى عشرة آية، بعدد العقد و شوفي[٥].
يقول الأستاذ عبده: و قد رووا هاهنا أحاديث في أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سحره لبيد بن أعصم و أثّر سحره فيه حتّى كان يخيّل أنّه يفعل الشيء و هو لا يفعله أو يأتي شيئا و هو لا يأتيه، و أنّ اللّه أنبأه بذلك و أخرجت موادّ السحر من بئر و عوفي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ممّا كان نزل به من ذلك و نزلت السورة.
قال: و لا يخفى أنّ تأثير السحر في نفسه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى يصل به الأمر إلى أن يظنّ أنّه يفعل شيئا و هو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان.
بل هو ماسّ بالعقل آخذ بالروح، و هو ممّا يصدّق قول المشركين فيه: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً[٦]. و ليس المسحور عندهم إلّا من خولط في عقله و خيّل له أنّ شيئا يقع و هو لا يقع، فيخيّل إليه أنّه يوحى إليه و لا يوحى إليه.
قال: و قال كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوّة و لا ما يجب لها: إنّ الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صحّ، فيلزم الاعتقاد به. و عدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنّه ضرب من إنكار السحر، و قد جاء القرآن بصحّة السحر[٧]!!
[١] البخاري ٤: ٩١ و ٧: ٢٨؛ مسلم ٧: ١٤.
[٢] أخرجه البيهقي في الدلائل ٧: ٩٢- ٩٤؛ الدرّ ٨: ٦٨٧.
[٣] مسند أحمد ٦: ٦٣ و ٥٧ و ٩٦.
[٤] البخاري ٧: ٢٩.
[٥] التسهيل لعلوم التنزيل ٤: ٢٢٥ و راجع: تفسير ابن كثير ٤: ٦١٤.
[٦] الإسراء ١٧: ٤٧.
[٧] هذا شطط من القول، إذ لا حقيقة للسحر و لا اعترف القرآن به، و قد تكلّمنا عن ذلك بتفصيل في كتابنا التمهيد ٧: ٢٢٣- ٢٥٠. نعم ذكر الآلوسي: أنّ مذهب أهل السنّة على إثباته و أنّ له حقيقة، لدلالة الكتاب و السنّة على ذلك. راجع: تفسيره« روح المعاني» ٣٠: ٢٨٣.