التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٨ - أسلوب القرآن
هذا وصف للمؤمنين بعد مرجعهم من غزوة أحد، و قد أضنّتهم الحرب، فاستنهضهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين سمع عزيمة أبي سفيان على الرجوع لقتال المسلمين لغرض الاستئصال.
[م/ ٦٧] و قيل في غزوة بدر الصغرى، كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم واعد أبا سفيان أن يعاوده القتال بعد أحد بعام، فخرج أبو سفيان في أهل مكّة حتّى بلغ عسفان، فألقى اللّه الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي و قد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إنّي واعدت محمّدا و أصحابه أن نلتقي بموسم بدر، و هذا عام جدب و لا يصلحنا إلّا عام نرعى فيه الشجر و نشرب فيه اللبن، و قد بدا لي أن أرجع، و أكره أن يخرج محمّد و لا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة. فالحق بالمدينة فثبّطهم و لك عندي عشرة من الإبل. فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهّزون لميعاد أبي سفيان. فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم و قراركم، فلم يفلت منكم أحد!
فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و الذي نفسي بيده لأخرجنّ و لو وحدي». فخرج و معه سبعون راكبا يقولون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، فخرجوا حتّى وافوا سوق بدر- و كان أبو سفيان و معه ألفا رجل قد ولّى دبره- و كانت معهم نفقات و تجارات، فباعوا و اشتروا أدما و زبيبا و ربحوا و أصابوا بالدرهم درهمين، و انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
فعلى هذه الرواية يكون المراد من «الناس» الذين حاولوا الفشل بالمسلمين، هم نعيم بن مسعود و ركب من عبد قيس دسّهم أبو سفيان لتجبين المسلمين.
و أمّا «الناس» الذين قد جمعوا الجموع، فهم أبو سفيان و أعوانه[١].
هكذا سرد حوادث يهمل فيها أسماء أبطالها، إنّما يحسن إذا كانوا معروفين عند مشافهة الخطاب، لا فيما إذا أريد تسجيلها ضمن كتاب.
و أمثال ذلك في القرآن كثير في كثير، الأمر الذي يؤكّد على أنّ اسلوبه أسلوب خطاب لا أسلوب كتاب.
و جانب أهمّ نلمسه في القرآن بكثرة، هو جانب حديثه عن قضايا تبدو- في ظاهرها حسب التنزيل- شخصيّة، ترجع إلى أناس معهودين عند الخطاب، و ليست من القضايا الحقيقيّة العامّة ذوات الشمول.
[١] راجع: المنار ٤: ٢٣٨- ٢٤٠. و مجمع البيان ٢: ٤٤٩.