التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٥ - أسلوب القرآن
فقير. و عتاب لمن تلهّى أي تغافل عن التوجّه إلى مؤمن مستهد هو جدير بالاهتمام. إذن لمن تلك الملامة، و لمن هذا العتاب؟
لا دلالة في ظاهر التعبير على شيء من ذلك و إنّما هو شيء كان يعرفه شهود القضيّة لا غير.
غير أنّ لحن الآية يدلّنا على أنّهما شخصان و أنّ الملوم غير المعاتب. ذلك أنّ الملامة وقعت على أمر كان صدر عن اختيار و عن قصد غير جميل. ذلك أنّ العبوس و التولّي، كلاهما عمل اختياري صادر عن سوء طويّة، الأمر الذي تأباه ساحة قدسيّة الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
أمّا التلهّي فهو التغافل، أي عدم توجّه النفس، بسبب انشغالها بأمر أهمّ، الأمر الذي يجوز صدوره من نبيّ كريم، جادّ في تبليغ رسالته.
[م/ ٦٤] روي: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاءه نفر من أشراف قريش، منهم: عتبة بن ربيعة و أبيّ و أميّة ابنا خلف و فيهم أبو جهل و جماعة. و كان عثمان بن عفّان قد رافقهم و قد أسلم من قبل.
فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يناجيهم، يدعوهم إلى الإسلام، و يرجو إخضاعهم و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ملتهيا بهم منشغلا عمّن سواهم.
و في هذا الأثناء أتاه عبد اللّه بن أمّ مكتوم- و كان ضريرا من بيت وضيع- و جعل يكرّر القول:
أقرئني يا رسول اللّه! علّمني ممّا علّمك اللّه! و يناديه بصوت عال ملحّا عليه، و هو لا يدري أنّ النبيّ منشغل عنه.
غير أنّ الرجل الأموي- و كان حاضر المجلس- امتعض من إلحاحه و انزعج انزعاجا بالغا، في هذه المزاحمة المفاجئة، و لعلّ الصناديد الأشراف تزعجهم غوغاء النداء فيغادرون المحضر.
و لذلك تقذّر منه و عبس و تولّى بوجهه عنه انزجارا من سوء المشهد.
أمّا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فظلّ عاكفا بكلّ وجوده على نصح القوم و إرشادهم إلى الإسلام، منذهلا عمّا يجري هناك. و من ثمّ عوتب على مثل هذا التغافل، و الذي أدّى إلى هتك مؤمن غيور، بسبب ذلك الامتعاص و التولّي الذي أبداه ذلك الرجل الأموي بمنظر و مشهد الحضور من مسلمين و غيرهم.
إذن فكانت الملامة موجّهة إلى ذلك الرجل الأمويّ الذي كاد يهين بموضع رجل الإيمان في تلك الصورة البذيئة.
أمّا العتاب محضا فموجّه إلى النبيّ نفسه بتغافله عمّا يجري حوله- و لو على حين- و مهما كانت الغاية- التي شغلته- خطيرة. فإنّ حرمة المؤمن فوق كلّ شيء.