التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - الحروف المقطعة في مختلف الروايات
بالألسن المختلفة، و مباني أسمائه الحسنى و صفاته العليا، و أصول كلام الأمم بما يتعارفون و يذكرون اللّه و يوحّدونه، و كأنّه أقسم بهذه الحروف إنّ القرآن كتابه و كلامه لا ريب فيه.
و قال النقيب: هي النبهة و الاستئناف ليعلم أنّ الكلام الأوّل قد انقطع، كقولك: و لا، إنّ زيدا ذهب.
و أحسن الأقاويل فيه و أمتنها، أنّها إظهار لإعجاز القرآن و صدق محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛ و ذلك أنّ كلّ حرف منه من هذه الحروف الثمانية و العشرين[١].
و العرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه كقوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ[٢] أي صلّوا لا يصلّون، و قوله: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ[٣] فعبّر بالركوع و السجود عن الصلاة إذ كانا من أركانها، و قال: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ[٤] أراد جميع أبدانكم.
و قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ[٥] أي الأنف فعبّر باليد عن الجسد، و بالأنف عن الوجه.
و قال الشاعر في امرأته:
|
لمّا رأيت أمرها في حطّي |
و فنكت في كذب و لطّ |
|
|
أخذت منها بقرون شمط |
فلم يزل ضربي بها و معطي |
|
|
حتّى علا الرأس دم يغطّي[٦] |
فعبّر بلفظة «حطّي» عن جملة حروف أبجد.
و يقول القائل: (أ ب ت ث) و هو لا يريد هذه الأربعة الأحرف دون غيرها، بل يريد جميعها، و قرأت: الحمد للّه، و هو يريد جميع السورة، و نحوها كثير.
و كذلك عبّر اللّه بهذه الحروف عن جملة حروف التهجّي، و الإشارة فيه: أنّ اللّه تعالى نبّه العرب و تحدّاهم، فقال: إنّي قد نزّلت هذا الكتاب من جملة الثمانية و العشرين التي هي لغتكم و لسانكم،
[١] و في العبارة تشويش ظاهر، و لعلّ الأصل: أنّ القرآن الذي عجزتم عن الإتيان بمثله مؤلّف من هذه الحروف الثمانية و العشرين، التي تعرفونها. فجاء بنصف حروف التهجّي و هي بعضها اكتفاء بالبعض عن الكل.
[٢] المرسلات ٧٧: ٤٨.
[٣] العلق ٩٦: ١٩.
[٤] آل عمران ٣: ١٨٢.
[٥] القلم ٦٨: ١٦.
[٦] هي من الخماسيّات راجع: الطبري ١: ١٣٢. و لسان العرب ١٠: ٤٨٠. و« حطّي» بحاء مهملة، ثانية جملات أبي جاد( أبجد، حطّي ...).