التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٧ - كيف العرض على كتاب الله
و يعني بالمشابهة: المسانخة و التلاؤم و الوفاق، الأمر الذي لا يخصّ الوفاق الحرفي، و إنّما هي الموافقة في صميم الكلام و فحواه العام، كما عرفت.
فالمراد بالموافقة هي الموافقة الذاتيّة بين مضمون الحديث و الأصول الإسلاميّة المستفادة من الكتاب و السنّة. و من ثمّ كانت روايات الجبر و التفويض مرفوضة عندنا، لمكان مخالفتها مع قاعدة «الأمر بين الأمرين» المستفادة من صميم الكتاب و السنّة.
الأمر الذي يعبّر عنه في علم «معرفة الحديث» بالنقد الداخلي للخبر، أي مقارنة مضمونه مع الأصول العامّة و المباني الأولى للشريعة، انسجاما مع روحها النابضة في جميع أشلائها.
و هذه هي الطريقة الحكيمة التي سلكها عميد الطائفة الشيخ أبو عبد اللّه المفيد- قدّس سرّه- في معالجة روايات الجبر و التفويض. قال: و كتاب اللّه تعالى مقدّم على الأخبار و الروايات، و إليه يتقاضى في صحيح الأخبار و سقيمها، فما قضى به فهو الحقّ دون ما سواه[١].
قال ذلك ردّا على أبي جعفر الصدوق فيما زعم أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه. و فسّر الخلق بالتقدير، استنادا إلى رواية لم يتحقّقها. و كانت مخالفة للكتاب بشأن استطاعة العباد.
جاء في رسالة الاعتقادات: «اعتقادنا في أفعال العباد أنّها مخلوقة، خلق تقدير لا خلق تكوين. و معنى ذلك أنّه لم يزل اللّه عالما بمقاديرها»[٢].
قال أبو عبد اللّه المفيد: الصحيح عن آل محمّد- صلوات اللّه عليهم- أنّ أفعال العباد غير مخلوقة للّه تعالى. و الذي ذكره أبو جعفر رحمه اللّه قد جاء به حديث غير معمول به و لا مرضيّ الإسناد[٣]، و الأخبار الصحيحة بخلافه. و ذكر من تلك الأخبار:
[م/ ٣٣٠] ما روى عن أبي الحسن الثالث عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا عليهم السّلام أنّه «سئل
[١] رسالة تصحيح الاعتقاد: ٤٤( مصنّفات المفيد ٥).
[٢] رسالة الاعتقادات: ٢٩/ ٤( مصنّفات المفيد ٥)؛ البحار ٥: ١٩.
[٣] و الحديث هو ما رواه الصدوق( سنة ٣٥٢) عن شيخه عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار النيسابوري- مجهول- عن عليّ ابن محمّد بن قتيبة النيسابوري- لم يوثّق- عن الفضل بن شاذان، فيما سأل المأمون الإمام الرضا عليه السّلام أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز. فجاء فيما كتب:« و أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، خلق تقدير لا خلق تكوين، و اللّه خالق كلّ شيء. و لا نقول بالجبر و التفويض».( عيون أخبار الرضا ٢: ١٣٢/ ١، باب ٣٥).
و روى أيضا بنفس الإسناد: عن ابن عبدوس عن ابن قتيبة عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن عبد السّلام بن صالح أبي الصلت الهروي قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام يقول: أفعال العباد مخلوقة. فقلت له: يا ابن رسول اللّه، و ما معنى« مخلوقة»؟ قال: مقدّرة.( معاني الأخبار: ٣٩٥- ٣٩٦/ ٥٢، باب نوادر المعاني).