التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - لسان القرآن
بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[١]. وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[٢]، قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[٣].
[م/ ٦١] روى أبو الفتح الكراجكي (ت ٤٤٩) حديثا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ اللّه أنزل القرآن عليّ بكلام العرب و المتعارف في لغتها»[٤].
غير أنّ السؤال هو: أنّ لسان القرآن العربي، هل هو لسان المتفاهم العامّ (العرف العامّ) ليكون عامّة الناس هم المخاطبين بخطابات القرآن، و أنّهم هم المقصودون بلحن الخطاب، و لو في ظاهر التنزيل و في المرحلة الأولى في إفادة الكلام أم هم أولئك المتعمّقون من أصحاب النظر و الاستدلال، دون من سواهم من سائر الناس؟!
لكنّا إذا عرفنا أنّ لإفادة الكلام مراحل، من ظاهر سطحيّ و باطن عمقيّ، و لكلّ من ذلك مراتب حسب مستوى فهم السامعين، سواء الحاضر منهم المعاصر أم الغائب النائي أو الآتي على امتداد الزمان. إذا عرفنا ذلك، انحلّت لدينا مشكلة اختلاف مستويات المخاطبين في الخطاب العامّ و كان لكلّ (من مختلف طبقات الناس) حظّه من إفادات الكلام المتلاحقة.
الأمر الذي أكّد عليه رسول الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أوّل يومه، مصرّحا بأنّ للقرآن ظهرا و بطنا أي دلالات جليّة بحسب ظاهر التنزيل، و أخرى دلالات خفيّة باطنة، و إنّما تستجلى بعد التدبّر و الإمعان في التأويل. و من ثمّ جاء الأمر بالتدبّر و تعميق النظر فيه، و كذا التعقّل و التفكّر في مطاويه، فكلّما كان التدبّر أعمق، كان المعنى المتحصّل منه أفخم و أوسع و أشمل، حتّى يبلغ الآفاق.
[م/ ٦٢] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «له ظهر و بطن، فظاهره حكم و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق ... لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه»[٥].
[م/ ٦٣] و ورد: أنّ القرآن على أربعة وجوه: على العبارة و الإشارة و اللطائف و الحقائق، فالعبارة (الظاهرة بحسب التعبير اللفظي) للعوامّ، أي لسائر الناس ممّن كانوا على المستوى العامّ.
أمّا الإشارات و النكات الدقيقة، و التي هي بحاجة إلى تدبّر و تعمّق و تفكير، فهي للخواصّ، أي
[١] الدخان ٤٤: ٥٨.
[٢] القمر ٥٤: ١٧.
[٣] الزمر ٣٩: ٢٨.
[٤] كنز الفوائد: ٢٨٥- ٢٨٦؛ البحار ٩: ٢٨٢/ ٦.
[٥] الكافي ٢: ٥٩٩/ ٢.