التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - شرط الأخذ بالسياق
شرط الأخذ بالسياق
إن كان الأخذ بالسياق ممّا يعود إلى السياق العامّ في جملة آيات القرآن، فهذا ممّا لا شرط له سوى إحراز وحدة الاتّجاه بين الآيتين: المجملة و المبيّنة. لتصلح إحداهما بيانا للأخرى، نظرا لوحدة الاتّجاه. و هكذا في الأخذ بسياق السورة، نظرا للوحدة الموضوعيّة، السائدة على مجموعة آيات كلّ سورة، كما نبّهنا.
إنّما الكلام في الأخذ بسياق آية أو مجموعة آيات نزلن معا و في مقطع واحد، فهذا يشترط فيه أوّلا: تعاقب نزول جملاتها- في آية واحدة- و تتابع نزول آيات هي متراصّة في تلك المجموعة فلا بدّ من إحراز ذاك التعاقب و هذا التتابع في النزول.
و ثانيا: وحدة موضوعيّة سائدة على تلك الجمل أو الآيات التي هي متراصّة جنبا إلى جنب.
و عليه فلو كان هناك تفكّك في ترتيب النزول أو في الموضوع، فلا موضع للاستناد إلى السياق، بعد الاختلاف في الاتّجاه، الأمر الذي تغافله كثير من الباحثين.
مثلا ما ورد بشأن عدد المقاتلين- فيما إذا بلغوه وجب عليهم النضال- جاء أوّلا: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ[١]. واحد تجاه عشرة.
ثمّ نسخ بواحد تجاه اثنين: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ[٢].
أنكر سيدنا الأستاذ الإمام الخوئي- طاب ثراه- وقوع نسخ بين الآيتين، بحجّة عدم فصل بينهما نزولا، و لشهادة السياق بنزولهما دفعة.
قال: إنّ القول بالنسخ يتوقّف على إثبات الفصل بين الآيتين نزولا، و إثبات أنّ الثانية نزلت بعد العمل بالأولى، لئلّا يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة، و إلّا كان التشريع الأوّل لغوا. قال: أضف إلى ذلك أنّ سياق الآيتين أصدق شاهد على أنّهما نزلتا مرّة واحدة.
و نتيجة على ذلك، ذهب إلى أحكام الآية الأولى و أنّ الحكم فيها استحبابيّ[٣].
لكنّه- طاب ثراه- لم يذكر سند استظهاره الأخير، و كيف أنّ السياق يدلّ على اتصال نزولهما معا من غير فصل زمنيّ؟!
[١] ( ١ و ٢) الأنفال ٨: ٦٥- ٦٦.
[٢] ( ١ و ٢) الأنفال ٨: ٦٥- ٦٦.
[٣] راجع: البيان: ٣٧٥- ٣٧٦.