التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٢ - شرط الأخذ بالسياق
و من ثمّ فإنّ العكس هو الظاهر من السياق، حيث قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، يدلّ بوضوح على تأخّر نزول الثانية عن الأولى بفترة، ربما غير قصيرة، مرّت خلالها تجربة عنيفة على المسلمين، ظهر فيها ضعفهم و تثاقلهم عن التكليف الأوّل. فإنّ لفظة «الآن» تدلّ دلالة واضحة على تلك الفترة، و لولاها لم يكن موقع لهذه اللفظة أصلا. و هكذا التعبير بالتخفيف يدلّ على تكليف شاقّ سابق، الأمر الذي يتناسب مع كونه إلزاميّا لا الاستحباب. و أخيرا فإنّ قوله:
عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً أيضا خير شاهد على هذا الفصل. إذ المعنى: ظهر أنّ فيكم ضعفا، مما يتناسب مع وقوع تجربة ظهر خلالها ضعف المسلمين و وهنهم عن مناضلة أضعافهم بعشرات![١]
*** و قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[٢] هذه الآية ضمنت سلامة القرآن عن تطرّق الحدثان. و هو ضمان إلهي، و اللّه لا يخلف الميعاد.
لكنّ بعض من يروقه القول بالشذوذ، احتمل عود الضمير إلى المنزل عليه الذكر و هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أي: و إنّا لمحمّد لحافظون[٣]. فهي نظير قوله: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[٤].
لكن لا رابط- سياقا- بين الآيتين، بعد أن كانت الأولى في سورة مكّيّة (الحجر) (رقم نزولها:
٥٤). و الثانية في سورة مدنيّة (المائدة) و لعلّها من أخريات السور المدنيّة (رقم نزولها: ١١٣).
هذا فضلا عن أنّ آية الحفظ مسبوقة- في نفس سورتها- بقوله تعالى: وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ[٥]، في ثلاث آيات قبلها و هي تصلح قرينة لتعيين مراده تعالى من الذكر في آية الحفظ، و لا دليل على إرادة خلاف ظاهر هذا السياق[٦].
و أمّا الشرط الثاني، فالعناية بوحدة الموضوع في اتّجاه الآيتين أو سياق الآيتين، لضرورة وجود الترابط بين الاتّجاهين.
مثلا قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ[٧]. وقعت هذه الآيات بين آيات تحدّثت عن أحوال القيامة و أهوالها، سبقا و لحوقا.
[١] راجع: التمهيد ٢: ٢٩٧- ٢٩٨.
[٢] الحجر ١٥: ٩.
[٣] ذكره الفرّاء نقلا عن بعضهم( معاني القرآن ٢: ٨٥) و انتهزه المحدّث النوري في فصل الخطاب: ٣٦٠.
[٤] المائدة ٥: ٦٧.
[٥] الحجر ١٥: ٦.
[٦] راجع: البيان للإمام الخوئي: ٢٢٦.
[٧] القيامة ٧٥: ١٦- ١٩.