التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٠ - نماذج من نقد الحديث ذاتيا
الحقيقي. و إنّما أطلق عليه الأب توسّعا، كما هو جار في اللغة و معروف لدى سائر الأقوام[١].
انظر إلى هذه الدقّة الفائقة في معالجة أخبار كانت سقيمة و متنافرة مع نصّ الكتاب و المستفاد من أصول المعارف الإسلاميّة العريقة.
و للأستاذ الشيخ محمّد عبده أيضا مواقف مشهودة تجاه تلكم الأخبار الضعيفة و لا سيّما الإسرائيليّات، فقد أبان فضحها و فنّدها تفنيدا بالغا، و نقدها في ضوء نور العقل و هدي الكتاب العزيز. نذكر منها:
قال تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ[٢].
ذكر أرباب النقل في التفسير هنا، في وجه سؤال زكريّا ربّه أن يجعل له آية، ما يتنافى و مقام الأنبياء و كرامتهم عند اللّه، قالوا: إنّه شكّ- على أثر وسوسة إبليس- أنّ الذين بشّروه كانوا هم الملائكة أم الشياطين سخروا به، فعاقبه اللّه بعقد لسانه ثلاثة أيام لا يقدر على التكلّم، لمكان شكّه و تأثّره بوسوسة إبليس.
قال الطبري- في تأويل قوله رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً: يعني بذلك (جلّ ثناؤه) خبرا عن زكريّا قال:
ربّ إن كان هذا النداء الذي نوديته و الصوت الذي سمعته صوت ملائكتك و بشارة منك لي فاجعل لي آية، يقول: علامة أنّ ذلك كذلك، ليزول عني ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي من أنّ ذلك صوت غير الملائكة و بشارة من عند غيرك:
[م/ ٣٥٤] روى بإسناده عن السّدّي: أنّ زكريّا لما سمع نداء الملائكة بالبشارة، جاءه الشيطان فقال له: إنّ الصوت الذي سمعت ليس هو من اللّه، إنّما هو من الشيطان يسخر بك. و لو كان من اللّه أوحاه إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر، فشكّ زكريّا مكانه و قال: أنّى يكون لى غلام[٣].
[م/ ٣٥٥] و هكذا روى بإسناده عن عكرمة قال: فأتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربّه، فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم ناداني ملائكة ربّي! قال: بل ذلك الشيطان! لو كان هذا من ربّك
[١] الميزان ٧: ١٦٨- ١٧١ و راجع ما كتبناه هنا بتفصيل في التمهيد ٧: ٦٦- ٦٩.
[٢] آل عمران ٣: ٣٧- ٤١.
[٣] الطبري ٣: ٣٥٠/ ٥٥٠٧.