التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٩ - ما ورد بشأن أسباب النزول
[م/ ١٨٧] و أخرج البخاري عن عمر بن الخطّاب، قال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أبي سلول، جاء ابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه.
ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليصلّي عليه. قال عمر: فأخذت ثوبه و قلت:
تصلّي عليه، و قد نهاك ربّك أن تصلّي عليه؟!
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما خيّرني اللّه فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ[١]. و سأزيد على السبعين.
قال عمر: إنّه منافق، قال: فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنزل اللّه: وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ[٢]. قال عمر: فعجبت بعد من جرأتي على رسول اللّه[٣].
قلت: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ[٤]. كيف يظنّون بنبيّ الإسلام يستهين حرمات اللّه و في تلك التعاليل الواهية، و التي تتناسب و عقليّة الراوي الهزيلة، دون مقام الرسول الرفيع.
و حاول أئمّة النقد و التمحيص ردّ مثل هذا الحديث لنكارته، و نسبوه إلى وهم الراوي، معلّلين بأنّه يستدعي أن يكون عمر قد اجتهد في مقابلة النصّ، أو أنّه فهم ما لم يفهمه صاحب الشريعة.
و حاول ابن حجر تصحيح الخبر و الردّ على هؤلاء، لكنّه أتى بما يزيد في الطين بلّة. يقول:
زعم غير هؤلاء أنّ عمر اطّلع على نهي خاصّ في ذلك. لكنّه من أين؟ قال القرطبي: لعلّ ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام- و قد حرم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ذلك حينذاك!؟- قال: و يحتمل أن يكون فهم ذلك من نهي الاستغفار- ما لم يفهمه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منه!!-[٥].
قال ابن حجر: و ما قاله القرطبيّ أقرب. لكنّ المشكلة: كيف يلهم عمر بما لا يعرفه صاحب الشريعة. و هنا اقترح ابن حجر افتراض فهم عمر قال:
[م/ ١٨٨] أخرج ابن مردويه أنّ عمر، قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أ تصلّي عليه و قد نهاك اللّه؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أين؟ قال: قال اللّه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... قال ابن حجر: فكان عمر قد فهم من هذه الآية- ما هو الأكثر الأغلب من لغة العرب- من أنّ «أو» ليست- هنا- للتخيير، بل للتسوية، في
[١] التوبة ٩: ٨٠.
[٢] التوبة ٩: ٨٤.
[٣] البخاري ٥: ٢٠٦- ٢٠٧، و راجع: لباب النقول: ١٤٦.
[٤] سبأ ٣٤: ٢٠.
[٥] القرطبي ٨: ٢١٩.