التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - السياق في القرآن
توقيفي محضا، لا يجوز مسّها على أيّ حال[١].
أمّا ترتيب السور فقد حصل بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و على يد صحابته الكبار. و لا مساس له بمسألة السياق كما لا يخفى.
إذن فأصالة السياق- حسب النظم القائم بين آيات السّور- هي المحكّمة و عليها المعوّل في الاستناد و الاستنباط.
و هناك جانب آخر من السياق و لعلّه أهمّ، و هو: جانب سياق كلّ آية بذاتها، أو مجموعة آيات نزلن معا، و هي كتل، كلّ كتلة هي مجموعة آيات مترابطة بعضها مع البعض في المرمى و النزول جميعا، عرفت باسم مقاطع الآيات من كلّ سورة.
و هذا من أقوى السياق المساعد على فهم معاني الآيات مباشرة.
فمجموعة آيات نزلن جملة بشأن مناسبة خاصّة أو في حادث خاصّ، يصلح بعضها دليلا (قرينة) على فهم البعض، قرينة متّصلة بالكلام.
فالسياق بكلّيّته يلحظ تارة إلى القرآن كلّه في سياقه العامّ من فاتحته حتّى الختام. و أخرى بلحاظ كلّ سورة بذاتها باعتبار الوحدة الموضوعيّة فيها. و ثالثة سياق جملة من آيات نزلن معا أو آية برأسها نزلت لوحدها. و لكلّ هذه السياقات بأنحائها الثلاثة مجالها الخاصّ، و تصلح قرينة على فهم المراد و الحصول على حقيقة المفاد.
و إليك نماذج من دلالات السياق على أنحائه الثلاثة:
أمّا السياق العامّ، فهو المقصود من قولهم: القرآن يفسّر بعضه بعضا، أو كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «يشهد بعضه على بعض و ينطق بعضه ببعض»[٢].
فربّ آية في موضعها الخاصّ ذات إبهام لا تنطق، و إنّما يرفع إبهامها و ينطقها آية أخرى نظيرتها في المؤدّى و المفاد.
و من ثمّ قيل: أحسن التفسير و أفضله، أن يستند لتفسير آية إلى آية أخرى نظيرتها في السياق.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: أحسن طريق التفسير أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فقد فصّل في موضع آخر، و ما اختصر في مكان، فإنّه قد بسط في آخر[٣].
[١] راجع ما أوردناه بهذا الصدد في كتابنا التمهيد ١: ٢٨٠- ٢٨٤.
[٢] نهج البلاغة ٢: ١٧، الخطبة ١٣٣.
[٣] البرهان ٢: ١٧٥.