التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - التأويل عند أرباب القلوب
القرآن أوّلا على نهج أهل الظاهر تفسيرا قويما، ثمّ يعرّج على تفسيره وفق مذاقات أهل الباطن، في ظرافة و لباقة كلّا في أحسن بيان، مقرّا بأنّ تفسير الظاهر هو الأصل، و لولاه لما أمكن استخراج الباطن الذي هو الفرع.
نعم يرون من تفسير الباطن اللباب الخابئ تحت ذاك العباب.
قال سهل بن عبد اللّه التستري- في قوله تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ[١]-:
يعني: شرك النفس الأمّارة بالسّوء.
[م/ ٣٥] كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الشرك في أمّتي أخفى من دبيب النمل على الصفا»[٢].
قال: هذا باطن الآية. و أمّا ظاهرها فمشركو العرب يؤمنون باللّه، كما قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[٣]. و هم مع ذلك مشركون يؤمنون ببعض و لا يؤمنون ببعض[٤].
إذن لم يخلط بين ظهر القرآن و بطنه و ذكر كلّا على حدّه بأمانة. على أنّ الأخذ بالبطن كان مستندا إلى النبويّ الشريف، مضافا إلى كونه الأخذ بمفهوم الآية العامّ- حسبما نبّهنا- مراعيا جانب المناسبة القريبة. فقد استجمع شرائط التأويل الصحيح.
نعم إنّ إخضاع القرآن للّغة التي مقياسها الوضع المحدود، عقال له عن الانطلاق فيما وراء الغيوب، و إغلاق لباب الفهم الذي مقياسه العقل الرشيد مدعما بإدراكات كان مجالها ما فوق العقل ألا و هو القلب الذي لا تحدّه الحدود، لأنّه عرش استواء تجلّيات الربّ تعالى على مملكة الجسم.
[م/ ٣٦] كما جاء في الحديث القدسي: «لم يسعني سمائي و لا أرضي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن»[٥] و هو القلب الذي اختصّه اللّه بالأسرار و يجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار.
[م/ ٣٧] سأل وابصة بن معبد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن البرّ و الإثم؟ فقال: «يا وابصة! استفت قلبك؛ البرّ: ما اطمأنّت إليه النفس و اطمأنّ إليه القلب. و الإثم: ما حاك في قلبك و تردّد في الصدر، و إن أفتاك الناس»[٦].
فذلك القلب له لغته كما أنّ للوضع لغته و للعقل لغته. فإذا كانت لغة الوضع تدرك بالألفاظ و يعبّر
[١] يوسف ١٢: ١٠٦.
[٢] المستدرك للحاكم ٢: ٢٩١؛ الكامل ٧: ٢٤٠.
[٣] الزخرف ٤٣: ٨٧.
[٤] راجع: تفسير التستري: ٨٣.
[٥] البحار ٥٥: ٣٩.
[٦] مسند أحمد ٤: ٢٢٨.