التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥ - التأويل عند أرباب القلوب
عنها بالكلمات، فلغة القلب تدرك بالذوق و الإشراق، الأمر الذي لا يحيط بالتعبير عنه الألفاظ و العبارات، بل بالرموز و الإشارات.
على أنّ تلك الإشارات المعبّرة عن الواردات القلبيّة لها واقع مشروع أقرّه الحديث المأثور:
«لكلّ آية ظهر و بطن و حدّ و مطلع».
إذن فأربابها متبّعون لا مبتدعون، و قد اختصّهم اللّه بأسراره و أودعهم ملكوت أنواره، ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى[١].
قال سعد الدين التفتازاني: و أمّا ما يذهب إليه بعض المحقّقين من أنّ النصوص مصروفة على ظواهرها، و مع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها و بين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان و محض العرفان[٢].
فالإشارة ترجمان لما يقع في القلوب من تجلّيات و مشاهدات، و تلويح لما يفيض به اللّه على صفوته من خلقه من أسرار و غوامض في كلامه و كلام رسوله.
قال الأستاذ حسن عبّاس زكي- في تصديره لتفسير القشيري-: و من هنا كانت مذاقات الصوفيّة و أهل التحقيق في القرآن، و هم لا يرون أنّ تلك المذاقات وحدها هي المرادة، و إنّما يأخذونها إشارات جاءت من قبل العبارات. و هذا النهج السديد بعيد كلّ البعد عن نهج الباطنيّة الذين يرون من تأويلات- غير مستندة- هي المرادة بالذات و قصرهم معاني القرآن فيما فهموه لا يتعدّاه. فبين مذاقات الصوفيّة- من أهل التحقيق- و نزعات الباطنيّة آماد و أبعاد و البون شاسع كبير[٣].
و قال الشيخ تاج الدين ابن عطاء اللّه الإسكندري[٤]- في كتابه لطائف المنن-: اعلم أنّ تفسير هذه الطائفة لكلام اللّه و كلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره؛ و لكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له، و دلّت عليه في عرف اللّسان. و ثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية
[١] راجع: الموافقات ٣: ٣٨٢.
[٢] شرح العقائد النسفيّة: ١٢٠.
[٣] راجع: مقدّمة تفسير القشيري ١: ٦.
[٤] هو أحمد بن محمّد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه، أحد العلماء الجامعين لعلوم الدين من التفسير و الحديث و الأصول و التصوّف.
استوطن القاهرة للوعظ، ثمّ رحل إلى الإسكندريّة و مات بها سنة ٧٠٩، و كتاب لطائف المنن في مناقب شيخه أبي العبّاس المرسي.
طبع بتونس سنة ١٣٠٤.