التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - السياق في القرآن
تدلّ على أنّه واحد و لا مساس لإحداها بالأخرى فلا تفريع هناك.
قال المجلسيّ العظيم[١]: هذا الذي ذكروه خلاف ما أثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قوله في خلق العالم:
[م/ ٧٨] «ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء، و شقّ الأرجاء، و سكائك الهواء- إلى قوله-: ثمّ فتق ما بين السماوات العلى، فملأهنّ أطوارا من ملائكته»[٢].
[م/ ٧٩] و قال- في عجيب صنعته-: ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها[٣].
و هذا المعنى هو الذي جاءت الإشارة إليه في آية أخرى في سياقتها، قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ[٤].
فالدخان- و هي المادّة الأولى لخلق السماوات- هو الأصل، و منه تفرّعت السماوات العلى و ظهرت إلى الوجود. قوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ يدلّ على سبق مادّتهنّ على وجودهنّ، فأفاض عليهنّ الصور المائزة بينهنّ. و يدلّ عليه أيضا قوله في سورة النازعات: رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها[٥].
سوّاهنّ برفع سمكهنّ، كناية عن تمدّد و تمطّط في جوانبها، لتأخذ شكلها الخاصّ.
و نظرة تفرّع الموجودات من أصل واحد، فتقا بعد رتق، نظرة قديمة، حدّث بها التوراة في أصل التكوين أيضا. قال الإمام الرازيّ- في تأويل قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا[٦]-: كانت اليهود و النصارى و من يليهم من المشركين عالمين بذلك، فإنّه جاء في التوراة: «إنّ اللّه تعالى خلق جوهرة، ثمّ نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثمّ خلق السماوات و الأرض منها و فتق بينها»[٧].
و تقول النظرة الحديثة: إنّ الكون في أصله سديم، جمعه سدم[٨]. و السديم يشبه سحابة من غاز و غبار، و أصحّ تعبير عنه ما جاء في القرآن: الدخان: كتلة غازيّة هائلة، كانت النجوم و الكواكب و سائر الأجرام العلويّة إنّما وجدت على أثر تكاثف تلك الغازات و الغبارات الموجودة في الفضاء.
[١] مرآة العقول: ٢٥: ٢٣٢.
[٢] نهج البلاغة ١: ١٧- ١٩، الخطبة ١.
[٣] المصدر ٢: ١٩١، الخطبة ٢١١.
[٤] فصّلت ٤١: ١١- ١٢.
[٥] النازعات ٧٩: ٢٨.
[٦] الأنبياء ٢١: ٣٠.
[٧] التفسير الكبير ٢٢: ١٦٢. و النسخ الموجودة من التوراة حاليّا فاقدة لهذه العبارة، و لعلّها ذهبت أدراج سلسلة التحريف، التي كانت مستمرّة و لا تزال.
[٨] و السديم: أصله الضباب أو الرقيق منه. و استعير للمادّة الغازيّة الغباريّة التي تكوّنت منها الأجرام السماويّة. و يطلق عليها اسم« الأثير» في مصطلح العلم القديم و سمّي بالعنصر الخامس غير الخاضع للكون و الفساد، كما في سائر العناصر الأربعة في مصطلحهم.