التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٩ - تفسير الصحابي في مجال الاعتبار
تواجد الشروط.
إنّما الكلام في اعتبار ذلك حديثا مسندا و مرفوعا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنظر إلى كونه الأصل في تربيتهم و تعليمهم، أو أنّه استنباط منهم بالذات، لمكان علمهم وسعة اطّلاعهم، فربما أخطئوا في الاجتهاد، و إن كانت إصابتهم في الرأي أرجح في النظر الصحيح.
الأمر الذي فصّل القوم فيه[١]، بين ما إذا كان للرأي و النظر مدخل فيه، فهذا موقوف على الصحابي، لا يصحّ إسناده إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و ما إذا لم يكن كذلك، ممّا لا سبيل إلى العلم به إلّا عن طريق الوحي، فهو حديث مرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا محالة؛ و ذلك لموضع عدالة الصحابي و وثاقته في الدين، فلا يخبر عمّا لا طريق للحسّ إليه، إلّا إذا كان قد أخبره ذو علم عليم صادق أمين.
[م/ ٨٩] قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و قد سئل عن منابع علمه الغزير: «و إنّما هو تعلّم من ذي علم، علم علّمه اللّه نبيّه فعلّمنيه، و دعا لي بأن يعيه صدري، و تضطمّ عليه جوانحي»[٢].
و على أيّ حال، فإنّ التفسير المأثور عن صحابي جليل- إذا صحّ الطريق إليه- فإنّ له اعتباره الخاصّ. فإمّا أن يكون قد أخذه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو الأكثر، فيما لا يرجع إلى مشاهدات حاضرة أو فهم الأوضاع اللغويّة أو ما يرجع إلى آداب و رسوم كانت رائجة و أشباه ذلك، فإن كان لا يرجع إلى شيء من ذلك، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّه مستند إلى علم تعلّمه من ذي علم. هذا ما يقتضيه مقام إيمانه الذي يحجزه عن القول الجزاف.
و إلّا فهو موقوف عليه و مستند إلى فهمه الخاصّ. و لا ريب أنّه أقرب فهما إلى معاني القرآن، من الذي ابتعد عن لمس أعتاب الوحي و الرسالة، و حتّى عن إمكان معرفة لغة الأوائل، و عادات كانت جارية حينذاك!
و هكذا صرّح العلّامة الناقد الخبير السيّد رضيّ الدين ابن طاوس بشأن العلماء من صحابة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: هم أقرب علما بنزول القرآن[٣].
قال الإمام بدر الدين الزركشيّ: لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمّهاتها أربعة: الأوّل: النقل عن
[١] نبّه على ذلك الحاكم في مستدركه ٢: ٢٥٨ و ٢٦٣ و في كتابه الذي وضعه لمعرفة علوم الحديث: ١٩- ٢٠. و راجع: تدريب الراوي ١: ١٩٣.
[٢] نهج البلاغة ٢: ١٠- ١١، الخطبة ١٢٨.
[٣] في كتابه القيّم« سعد السعود»: ١٧٤ و قد عالج فيه نقد أكثر من سبعين كتابا في تفسير القرآن كانت في متناوله ذلك العهد.( توفّي سنة ٦٦٤ ه).