التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - ظاهرة تداعي المعاني
و الحديث لمن فتح اللّه قلبه، و قد جاء في الحديث: «لكلّ آية ظهر و بطن»، فلا يصدّنّك عن تلقّي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل و معارضة: هذا إحالة لكلام اللّه و كلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، و إنّما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلّا هذا، و هم لم يقولوا ذلك، بل يقرّون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، و يفهمون عن اللّه ما أفهمهم[١].
ظاهرة تداعي المعاني
كانت السوانح الفكريّة التي تدعى واردات القلوب، يمكن تفسيرها بظاهرة تداعي المعاني (الشيء يذكر بالشيء)[٢] فقد ينسبق إلى أذهان أصحاب المعالي لطائف أفكار و ظرائف أنظار، و لا منشأ لها سوى تلاوة آيات قرعت أسماعهم، و إذا بدقائق هي رقائق الفكر سنحت لهم بالمناسبة، و من غير أن تكون مدلولة ذاتيّة للكلام ما عدى الفحوى العامّ.
فكم من طرائف فكر و ظرائف عبر تسنح أذهان ذوى الاعتبار، بمجرّد أن واجهوا حادثة أو شاهدوا واقعة أوقفتهم عند حدّها و ألزمتهم حجّتها فأخذوا منها دروسا و عبرا. و هكذا عند استماع تلاوة أو قراءة آية ذكّرتهم مكارم أخلاق و مبادي آداب، كان كلّ ذلك من قبيل تداعي المعاني، الخارج من دلالة اللفظ ذاته، بل الشيء قد يذكر بالشيء، حتّى و لو كان ضدّه، فضلا عمّا لو كان نظيره.
مثلا: عند ما يستمع العارف السالك إلى قوله تعالى- خطابا مع موسى و هارون-: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى[٣]، ينسبق إلى ذهنه بادرة ضرورة تهذيب النفس و ارعوائها عن الطغيان و العصيان قبل كلّ شيء.
فيخاطب نفسه: ما بالك أنت، منشغلا عن فرعنة نفسك الطاغية، فاذهب إليها و اجمع جموعك في تهذيبها و ترويضها، و لاطف معها بلين، لعلّها تتّعظ و ترعوى و ترضخ لإرشادات العقل الحكيم.
فهذا لم يفسّر القرآن و لا جعل فرعون مرادا به النفس الأمّارة بالسّوء، و لا موسى و هارون كلّ إنسان لبيب حكيم. بل خطر إلى ذهنه هذا المعنى، متّعظا و متذكّرا من فحوى الآية بالمناسبة.
[١] نقلا عن الإتقان للسيوطي ٤: ١٩٧.
[٢] حسب تعبير ابن الصلاح فيما يأتي من نقل كلامه.
[٣] طه ٢٠: ٤٣.