التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧ - ظاهرة تداعي المعاني
يقول الإمام الحافظ تقيّ الدّين ابن الصلاح- في فتاواه و قد سئل عن كلام الصوفيّة في القرآن-:
الظنّ بمن يوثق به منهم أنّه إذا قال شيئا من أمثال ذلك، أنّه لم يذكره تفسيرا و لا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم؛ فإنّه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنيّة، و إنّما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإنّ النظير يذكر بالنظير. و من ذلك قتال النفس في الآية الكريمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ[١]. فكأنّه قال: أمرنا بقتال النفس و من يلينا من الكفّار، و مع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك، لما فيه من الإبهام و الإلباس[٢].
يعني: أنّ ما يذكرونه بهذا الشأن لا يعنون به التفسير و لا تأويل الآية بذلك، و إنّما الشيء يذكر بالشيء من باب «تداعي المعاني» فيخطر ببالهم خواطر هي نفحات قدسيّة ملكوتيّة عند تلاوة الآي أو استماعها عن وعي و حضور قلب.
فهم عند ما يستمعون إلى نداء الآية العامّ يراجعون أنفسهم، و في طيّهم كافر عات هو أقرب إليهم و أخطر من الكفّار البعداء، فيجب مقاتلته قبل مقاتلة سائر الكفّار، أخذا بقياس الأولويّة في منطق العقل الرشيد.
و هذا معنى قول سهل: النفس كافرة فقاتلها بالمخالفة لهواها، و احملها على طاعة اللّه و المجاهدة في سبيله و أكل الحلال و قول الصدق و ما قد أمرت به من مخالفة الطبيعة[٣].
فهذا المعنى العرفاني الرقيق مستفاد من فحوى الآية و مستنبط من بطنها بالمناسبة من غير أن يكون ذا صبغة تفسيريّة أو بيانا للمراد من الآية بالذات.
و قد صرّح بذلك الإمام القشيري في تفسيره للبسملة، قال: و قوم عند ذكر هذه الآية يتذكّرون من الباء برّه بأوليائه، و من السين سرّه بأصفيائه، و من الميم منّته على أهل ولايته. فيعلمون أنّهم ببرّه عرفوا سرّه، و بمنّته عليهم حفظوا أمره، و به سبحانه و تعالى عرفوا قدره، إلى آخر ما ذكره بهذا الصدد.[٤] تراه لم يجعله تفسيرا للآية، و إنّما هو تذكّر قلبي عند استماعها أو استماع حروفها من قبيل الخواطر القلبيّة محضا، من غير أن يكون تحميلا على القرآن أو تفسيرا بالرأي.
[١] التوبة ٩: ١٢٣.
[٢] راجع: التمهيد ١٠: ٤٤٨- ٤٤٩، عن فتاوى ابن الصلاح: ٢٩( الذهبي ٢: ٣٦٨).
[٣] راجع: تفسير السلمي ١: ٢٩٢.
[٤] تفسير لطائف الإشارات للقشيري ١: ٥٦.