التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٣ - كيف العرض على كتاب الله
الشامل لجلّ مسائل الخلاف فضلا عن كلّها، فكيف العرض؟!
و قد اضطربت كلماتهم هنا، حيث فرضوا المخالفة مع الكتاب إمّا بالتباين أو بالعموم من وجه أو بالعموم المطلق. أمّا الأخير فلا مخالفة ذاتيّا بعد إمكان الجمع عرفيّا بالحمل على التخصيص، مثاله: قوله تعالى- بشأن المطلّقات-: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ[١]، المخصّص بما ثبت في الشريعة من اختصاص ذلك بالرجعيّات[٢].
و هكذا المخالفة بالعموم من وجه، كما في قوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ[٣]، مع حديث «لا ضرر و لا ضرار»[٤] فيما إذا حاول الطبيب معالجة مريض، لكن فرط منه ما أوجب تلفه أو نقصه، من غير أن يكون عامدا، فإنّ الآية تنفي ضمان خسارته، لكونه محسنا و بصدد معالجته.
أمّا حديث «لا ضرر» فيقضي بضمانه، و إن لم يرتكب إثما.
و في ذلك ينبغي اللجوء إلى ترجيح أحد الظاهرين على الآخر، إمّا ترجيحا بمقتضى قوّة الدلالة أو بمرجّحات أخر، و هنا كان الترجيح مع الحديث، لما ورد مستفيضا من ضمان الطبيب و لو كان حاذقا[٥].
أمّا المخالفة بالتباين فلا مورد له، بعد شعور الوضّاعين بعدم رواج أكاذيبهم ما لو كانت المخالفة صريحا مع ظاهر الكتاب.
فأين موضع عرض الأحاديث على كتاب اللّه، ليعرف السقيم منها عن السليم، بالخلاف أو الوفاق؟!
قلت: ليس الأمر كما ظنّ، إذ لا يعقل أن يكذب أحد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو أحد الصادقين عليهم السّلام كذبا صريحا، بحيث يتخالف مع القرآن أو السنّة القويمة، بشكل واضح و مباين علنا، إذ حيث ذاك تبدو سوأته على ملاء من الناس و يفضح من أساس.
لكنّه- عن خبث- يحاول تلبيس الأمر بحيث يمكن تعبيره على العامّة. أمّا الخاصّة فلا تشتبه عليهم التلبيسات و لا يمكن التعبير عليهم، ما داموا أذكياء نبهاء، يعرفون مراسي الشريعة و مبانيها القويمة، و يقفون سدّا منيعا دون رسوب الأباطيل في الدين.
[١] البقرة ٢: ٢٢٨.
[٢] راجع: الجواهر ٣٢: ١٧٩ فما بعد.
[٣] التوبة ٩: ٩١.
[٤] مسند أحمد ٥: ٣٢٧.
[٥] راجع: الوسائل ٢٩: ٢٦٠، باب ٢٤( ضمان الطبيب إذا لم يأخذ البراءة).