التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٦ - أسلوب القرآن
[م/ ٦٥] و من ثمّ كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كلّما التقى بابن أمّ مكتوم، يقول له: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي»[١].
[م/ ٦٦] و في حديث الإمام الصادق عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا رآه قال: مرحبا مرحبا، لا و اللّه لا يعاتبني اللّه فيك أبدا»[٢].
ففي مثل مداورة في الحديث كهذه، عن ملامة، فإلى عتاب، و بصورة إبهام في ذات المقال، اعتمادا على مشاهد الحضور، هي من اختصاص فنّ الخطاب، و لا تحسن في الكتاب.
كما أنّ التنقّل المفاجئ أثناء الكلام، من موضوع إلى آخر، من غير مناسبة ظاهرة، أو لمناسبات بعيدة جدّا، هو من ميزات أسلوب الخطاب، و يأباه أسلوب الكتاب، و لا سيّما أثناء عقد واحد من فصول الكلام.
و التنقّل المفاجئ، في القرآن كثير.
ففي سورة القيامة، يبتدئ الكلام عن الساعة و يوم الحساب، و ينتهي إلى قوله: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ... (الآيات: ١- ١٥). و ينتقل فجأة إلى الكلام عن نزول القرآن حيث كان النبيّ يتعجّل في قراءته على كتّاب الوحي، فمنع من ذلك: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (الآيات: ١٦- ١٩).
و بعد ذلك ينتقل الكلام إلى لذائذ الحياة في الدنيا و الآخرة، و عن شدائد ذلك اليوم العصيب (الآيات: ٢٠- ٣٠).
و إذا هو- في نهاية السورة- يتكلّم عن كافر عنود: أبي جهل الذي طالما قام في وجه الدعوة و كافحها أشدّ كفاح: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى. وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى. ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (الآيات: ٣١- ٤٠).
فمثل هذا الكرّ و الفرّ و المداورة في الكلام، إنّما يتناسب مع أسلوب الخطاب و المشافهة، و لا يلتئم مع أسلوب الكتابة و ترقيم الكتاب، الأمر الذي تجده في القرآن الكريم بكثرة وافرة.
و جهة أخرى هو الحديث عن حادث أو عادة سيّئة أو حسنة، كانت رائجة معروفة، تحدّث عنها القرآن من غير تبيين سابق، إيكالا على المعهود المعلوم لدى المشافهين، الأمر الذي لا يجوز
[١] مجمع البيان ١٠: ٢٦٦.
[٢] المصدر.