التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤١ - تفسير البسملة
قال: «الرحمن، رحمان الدنيا. و الرحيم، رحيم الآخرة»[١]. فيعني: الرحمانيّة العامّة الشاملة لجميع الخلائق في هذه الحياة. و أمّا الرحيميّة فهي خاصّة بالمؤمنين في الآخرة.
[١/ ٣٣٦] و روي عن ابن عبّاس قال: هما (الرحمن الرحيم) اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر»[٢]. و معنى «أرق»: ألطف و أنعم. أي إنّ رحمته تعالى الرحيميّة إنّما تشمل عباده المؤمنين بلطف و عناية بالغة، هي أنعم و ألطف من رحمته الرحمانيّة العامّة الشاملة لجميع الخلائق. فالمراد بالرقّة هنا هي النعومة و الرفق البالغ، و هي صفة الرحمة في ذاتها مفهوما، لا شيء هو في ذات الموصوف (أي اللّه تبارك و تعالى).
[١/ ٣٣٧] و قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «رحيم لا يوصف بالرقّة»[٣]. و هذا على خلاف غيره تعالى حيث الرحمة منهم ناشئة عن رقّة في ذوات أنفسهم.
و قد حسب بعضهم الرقّة في حديث ابن عبّاس بإرادتها في الذات المقدّسة كما في سائر الناس، فأنكر الحديث و احتمل التحريف و إرادة الرفق (رفيقان)!
قال الخطّابيّ: و هذا (حديث ابن عبّاس) مشكل، لأنّ الرقّة لا مدخل لها في شيء من صفات اللّه تعالى. و قال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي، لأنّ الرقّة ليست من صفاته تعالى في شيء، و إنّما هما اسمان رفيقان، أحدهما أرفق من الآخر. و الرفق من صفات اللّه عزّ و جلّ.
[١/ ٣٣٨] قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه رفيق يحبّ الرفق، و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»[٤].
و قد عرفت المعنى الصحيح لحديث ابن عبّاس!
[١/ ٣٣٩] و جاء في حديث الإهليلجيّة عن الإمام الصادق عليه السّلام: «إنّ رحمة اللّه، ثوابه لخلقه.
و الرحمة من العباد شيئان: أحدهما يحدث في القلب، الرأفة و الرقّة لما يرى بالمرحوم من الضرّ و الحاجة و ضروب البلاء. و الآخر، ما يحدث منّا بعد الرأفة و اللطف على المرحوم ...»[٥]
أي الرحمة من العباد، إشفاق نفسي يتبعه إرفاق عملى. أمّا الرحمة من اللّه فهو فعله تعالى محضا، فإشفاقه على العبد نفس إرفاقه به.
[١] مجمع البيان ١: ٥٤.
[٢] تقدم عن الأسماء و الصفات ١: ٨٩.
[٣] نهج البلاغة ٢: ١٠٠، الخطبة ١٧٩.
[٤] القرطبي ١: ١٠٦.
[٥] البحار ٣: ١٩٦.