التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - ضابطة التأويل
للضابطة نذكر شرائط ثلاثة:
و أوّل شرائط صحّة التأويل: أن يكون على طريقة السّبر و التقسيم بإعفاء الملابسات غير الدخيلة في هدف الكلام الأصل، و إبقاء ما كان دخيلا في صلب الموضوع، و بذلك يستخلص ذلك الفحوى العامّ للآية و الذي تستهدفه في اتّجاهها العامّ[١]. و بذلك تحتفظ المناسبة القريبة بين هذا البطن المستخرج من الكلام و ظهره المستفاد حسب ظاهر التنزيل و إلّا كان أجنبيّا عنه و لا دلالة عليه إطلاقا و يكون تحميلا عليه.
فكلّ بيان قدّم بعنوان بطن الآية أو تأويلها و كان اعتباطا غير مستخرج بطريقة منطقيّة، كان من التفسير بالرأي بلا كلام.
الشرط الثّاني: رعاية الدقّة الكاملة في معرفة ملابسات الكلام، أيّها دخيلة في اتّجاه الكلام فتبقى و أيّها غير دخيلة فتعفى، و هو شرط خطير قلّ من يسترعيه.
الشرط الأخير- و هو بيت القصيد و به تطرد الدخائل على علّاتها أجمع-: أن يصبح هذا الفحوى العامّ المستخرج بعد التمحيص و التحقيق، بمثابة كبرى كلّيّة لما دلّ عليه ظاهر الكلام، و يكون البطن المستخلص (المعنى التأويلي) كلّيّا منطبقا على ظاهر التنزيل. و بعبارة أخرى: يكون مجموع الظهر و البطن بمنزلة استدلال منطقي، كان الفحوى العامّ بمثابة كبرى كلّيّة مستندا إليها انطباقا على صغراها التي هي مورد التنزيل.
ففي آية السؤال- مثلا- كان مفاد مجموع الكلام: أنّ على المشركين- حيث موضع جهلهم بأصول النبوّات- أن يتساءلوا مع جيرانهم اليهود و هم أهل علم و كتاب. لأنّ على كلّ جاهل أن يراجع العلماء فيما جهله، و هي قاعدة كلّيّة مقبولة لدى العقل و الشرع، طبّقها اللّه تعالى- في ذكره الحكيم- بشأن مورد تنزيل الآية بالذات.
و هذا هو المقصود من توافق التأويل مع التنزيل توافق العامّ مع خاصّه. فلم يكن البطن أجنبيّا عن الظهر بل متناسبا معه و مدلولا عليه بدلالة التزاميّة مطويّة للكلام. و ما يعقلها إلّا العالمون.
[١] مثلا: لم يكن المشركون بما أنّهم مشركون محطّ النظر، بل بما أنّهم جاهلون. و كذلك لم يكن أهل الكتاب بما أنّهم أهل كتاب محطّ نظر، بل بما أنّهم أهل علم و دراية بالنسبة إلى ما لا يعرفه المشركون. و أيضا فإنّ مورد السؤال و هو أمر النبوّة و هل تصحّ لبشر، ملحوظا بالخصوص، بل كلّ ما لا يعرفه الجاهلون. فيستخلص من ذلك: إنّ الجاهل بأيّ شأن من شئون الدّين، فعليه مراجعة ذوي العلم في ذلك.