التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - صياغة القرآن
على أنّ الآية من سورة الشعراء نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ ... بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[١] ناصّة على أنّ النازل من عند اللّه و على يد أمينه جبرائيل، هو هذا القرآن بنصّه و لفظه العربيّ المبين. فالآية على عكس مطلوب المستدلّ أدلّ.
و قد نسب هذا القول إلى «معمّر بن عبّاد السّلمي»[٢] (ت ٢١٥) من رؤساء المعتزلة، و لكن نسبة مأخوذة من قياس المساواة، إذ لا تصريح له بذلك و إنّما هو لازم كلامه و مذهبه في كلامه تعالى، فيما زعموا. لأنّه قائل بأنّ الكلام في ذاته عرض، و العرض عند المعتزلة حركة، و هو قائم بجسم، فيستحيل أن يقوم به تعالى، إذ لا يكون محلّا للأعراض. فليس كلامه تعالى سوى ما يبدو من المحلّ الصادر منه، إن شجرة أو إنسانا. فالكلام الصادر من الشجرة فعل لها، و الصادر من إنسان فعل له. و إن كان بإرادة اللّه و خلقه و إيجاده[٣].
فكما أنّ الكلام منّا صادر عن إرادتنا، غير أنّ المحلّ الصادر منه هو جسمنا (بسبب اللسان)، كذلك الكلام الصادر منه تعالى صادر عن إرادته، و لكن المحلّ الصادر منه هو شجر أو إنسان، من غير أن يكون عن إرادتهما.
و عليه فلم يكن الصادر من الشجر أو الإنسان صدورا عن إنشائهما و عن إرادتهما بالذات، و من ثمّ فمن العبث قول بعضهم: أنّ معنى ذلك: أنّ كلامه تعالى الصادر عن محلّ، عبارة عن استعداد و قابليّة يخلقها اللّه في شجرة أو يمنحها لإنسان، فيقوم هو بإنشاء كلام يتجلّى فيه إرادته تعالى. و لازمه: أن تكون الشجرة هي التي تكلّمت مع موسى عليه السّلام و لكن بإذنه تعالى. و هذا غريب لم يقل به أحد قطّ.
و هكذا استندوا إلى ما نسبه إليه الراوندي قائلا: «و كان (أي معمّر) يزعم أنّ القرآن ليس من فعل اللّه و لا هو صفة له في ذاته كما تقول العوامّ، و لكنّه من أفعال الطبيعة».
لكنّ أبا الحسين الخيّاط المعتزلي رفض هذه النسبة رفضا باتّا، قال: اعلم- أرشدك اللّه إلى
[١] الشعراء ٢٦: ١٩٣- ١٩٥.
[٢] هو: أبو المعتمر معمّر بن عمرو، و قيل: ابن عبّاد البصري السّلمي المعتزلي. كان بينه و بين النظّام مناظرات و منازعات.( سير أعلام النبلاء ١٠: ٥٤٦/ ١٧٦).
[٣] جاء في مقالات الإسلاميّين للأشعرى( ١: ٢٦٨):« و الفرقة الخامسة منهم أصحاب معمّر، يزعمون أنّ القرآن عرض، و محال أن يكون اللّه فعله في الحقيقة، لأنّهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا للّه. و زعموا أنّ القرآن فعل للمكان الذي يسمع منه، إن سمع من شجرة فهو فعل لها، و حيثما سمع فهو فعل للمحلّ الذي حلّ فيه».