التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - صياغة القرآن
الخير- أنّ معمّرا كان يزعم أنّ اللّه هو المكلّم بالقرآن، و أنّ القرآن قول اللّه كلامه و وحيه و تنزيله، لا مكلّم له سواه و لا قائل له غيره، و أنّ القرآن محدث لم يكن، ثمّ كان[١].
لكن رغم ذلك نجد أنّ بعض المستشرقين الأجانب[٢]، و تبعه بعض الكتّاب الإسلاميّين متابعة من غير تحقيق، ذهب إلى أنّ معمّرا كان يقول بأنّ القرآن ليس من كلامه تعالى، و أنّ اللّه سبحانه أعطى نبيّه قابليّة أن يصوغ كلاما يفرغ فيه إرادة اللّه التي كان يتلقّاها بالوحي على نفسه.
و هو استنتاج باطل بعد كونه قياسا محضا و ليس من صريح كلامه؛ هذا و قوله تعالى: وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً[٣] يؤكّد على أنّ اللّه تعالى كان يكلّمه بنفس هذا الكلام المعهود. و أنّه على حقيقته و ليس عن مجاز أو استعارة. و إلّا لم يصحّ هذا التأكيد (بالمفعول المطلق).
و يحمل قول معمّر على أنّ الكلام المسموع من أيّ شيء إنّما خلقه اللّه فيه ليسمع منه، لا أنّه صنيع ذلك الشيء، فإن سمع من الهواء فهو فعل الهواء بمعنى أنّه المحلّ الصادر منه، و إن كان بخلقه تعالى فيه. و هكذا إذا سمع من شجرة. أمّا الصادر من إنسان مثل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو إلقاء في روعه كملا لفظا و معنا، فهو أيضا صنيعه تعالى و ليس من صنع النبيّ نفسه.
*** كما نسبوا إلى ابن كلّاب[٤] أيضا اعتقاد: أنّ صياغة القرآن، هي من فعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ليست صنعه تعالى[٥].
لكنّها نسبة خاطئة، حيث إنّه ذهب- في معتقده- إلى أنّ كلامه تعالى صفة ذات و هي قديمة قائمة بذاته تعالى. قال: إنّ كلامه قائم به، كما أنّ العلم قائم به، و القدرة قائمة به. و هو قديم بعلمه و قدرته. و إنّ الكلام ليس بحروف و لا صوت. و لا ينقسم و لا يتجزّأ و لا يتبعّض و لا يتغاير، و إنّه معنى واحد قائم باللّه عزّ و جلّ.
[١] راجع: كتابه الانتصار: ١٠٤.
[٢] هو:« هري أو سترين و لفسين» في كتابه« فلسفة علم الكلام» ترجمة أحمد آرام: ٢٩٨ و ٣٠٢.
[٣] النساء ٤: ١٦٤.
[٤] هو: عبد اللّه بن كلّاب رأس الفرقة الكلابيّة من الحشويّة، قالوا بقدم القرآن باعتباره كلام اللّه، و أنّ هذا المقروء يغاير كلامه تعالى القديم و يحاكيه، و ليس نفسه.
[٥] راجع: مقالات الإسلاميّين ٢: ٢٥٧- ٢٥٨. و المغني للقاضي عبد الجبّار: ٩٥- ١١٦، باب خلق القرآن. و الأصول الخمسة أيضا للقاضي: ٥٢٧.