التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - صياغة القرآن
الثاني: أن يقول له: اقرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكذا، فهذا يلقيه بلفظه الذي كان يتلقّاه، من غير تبديل. كما كان الملوك يكتبون الرسائل و يرسلونها على أيدي الرسل فيوصلونها من غير تصرّف أو تغيير.
قال جلال الدين السيوطي- بعد نقل كلام الجويني-: و القرآن من قبيل الثاني، كان يتلقّاه جبرائيل بلفظه و يلقيه على النبيّ كما تلقّاه من غير تصرّف فيه، لا في لفظه و لا في معناه. و لم يجز له إلقاء المعنى فقط. و السرّ في ذلك: أنّ المقصود من القرآن، التعبّد بلفظه، وراء التعبّد بالعمل بمعناه.
و لأنّه دليل الإعجاز، فلا يستطيع أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، لا جبرائيل و لا غيره. و أنّ تحت كلّ حرف منه مقاصد لا تحصى، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليها[١].
قال الزرقاني: و قد أسفّ بعض الناس فزعم أنّ جبرائيل كان ينزل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمعاني القرآن، و الرسول يعبّر عنها بلغة العرب. و زعم آخرون أنّ اللفظ لجبرائيل و أنّ اللّه كان يوحي إليه المعنى فقط. و كلاهما قول باطل أثيم، مصادم لصريح الكتاب و السنّة و الإجماع، و لا يساوي قيمة المداد الذي يكتب به. و عقيدتي أنّه مدسوس على المسلمين في كتبهم، و إلّا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا و اللفظ لمحمّد و لجبرائيل؟! ثمّ كيف تصحّ نسبته إلى اللّه و اللفظ ليس للّه؟![٢]
أمّا الآيات التي استند إليها زاعم هذا الرأي، فلعلّها على عكس مطلوبه أدلّ! ذلك أنّ المراد بالقلب في الآية هو شخصيّة الرسول الباطنة، الآهلة لتلقّي الوحي من عند اللّه، و ليس هذا العضو الصنوبري الكامن في الصدور، حيث إنّ أجهزة الإدراك عندنا لم تعدّ لاستلام هكذا تلقّيات ممّا وراء المادّة، و إنّما تعمل في إطار محدود.
و نظير هذه المحدوديّة في المادّة، الأمواج اللّاسلكيّة تتلقّاها أجهزة خاصّة بذلك، تلقّيا بنفس الألفاظ و حتّى الصور و الأشكال و الألوان من مكان بعيد، ممّا لا يمكن تلقّيها بهذا الحسّ الظاهري العاديّ.
و هكذا النفوس المستعدّة تستأهل لإدراك أمور تعجز الأحاسيس العاديّة عن إدراكها ما دامت على كثافتها الأولى و لم تبلغ لطافتها المتناسبة مع الملأ الأعلى.
[١] الإتقان ١: ١٢٧- ١٢٨.
[٢] مناهل العرفان ١: ٤٩.