التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - أسلوب القرآن
مثلا عند ما يخاطب كفّار قريش العتاة، يقاطعهم بصراحة: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ[١].
فكما أنّ عبادته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للأصنام ممتنعة، في جميع الأحوال، كذلك يقاطعهم أنّ عبادتهم للّه تعالى- و هم على تلك الحالة من العتوّ و الضلال- ممتنعة أبدا.
و من المعلوم: أن ليس المقصود من الخطاب كلّ كافر على الإطلاق، و على مرّ الأيّام، بل كفرة عتاة و جحدة طغاة، كانوا يجابهون الدعوة بكلّ لجاج و عناد.
فهي قضيّة شخصيّة خاصّة بالمشافهين حال الخطاب، و ليست حقيقيّة عامّة ذات الشمول.
قال سيدنا العلامة الطباطبائي- في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[٢]-: هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر و تمكّن الجحود من قلوبهم، ممّن عاندوا و لجّوا في مجابهة الدين، حتّى أفنتهم الحرب في بدر. إذ لا يمكن اطّراد مثل هذا التعبير بشأن جميع الكفّار، و إلّا لانسدّ باب الهداية، و القرآن ينادي بخلافه. و هكذا وقع مثل هذا التعبير في سورة يس المكّيّة. كما أنّ المراد من الَّذِينَ آمَنُوا فيما أطلق في القرآن- من غير قرينة- هم السابقون الأوّلون من المسلمين، خصّوا بهذا الخطاب تشريفا[٣].
و الخطاب، اختصاصا بأناس، ليس من دأب الكتاب.
و غير ذلك من خصائص و ميزات تجعل القرآن ذا أسلوب خطابي، بعيدا عن أسلوب ترقيم الكتاب.
هنا سؤال لا بدّ من التنبّه له، و هو: أنّ القرآن، إذا كانت أكثر قضاياه شخصيّة، هي قيد التاريخ، فما هي الفائدة تعود إلى كافّة الناس، و القرآن كتاب هداية عامّ؟!
و في الإجابة على ذلك، نلفت أنظار القارئين إلى جانب المفاهيم العامّة، المستخرجة من بطون تلكم الآيات التي تبدو في ظاهرها خاصّة حسب التنزيل.
و قد نبّهنا فيما سبق: أنّ للقرآن ظهرا و بطنا، ظهرا حسب التنزيل، خاصّا بمن نزل في شأنهم بالذات قيد التاريخ، و بطنا حسب التأويل، هي مفاهيم عامّة، سارية و جارية مع الأبد، مستنبطة
[١] الكافرون ١٠٩: ١- ٣.
[٢] البقرة ٢: ٦.
[٣] الميزان ١: ٥٠.