التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٠ - الوضع في التفسير
الوضع في التفسير
كان قد تناول جماعة للدسّ في الحديث و التفسير، نزولا مع رغبات ساقطة و أهداف أخرى شرحناها[١] و كانوا قد أورثوا الأمّة أضرارا فادحة ربما لا تنجبر مع الأيام، إذ قد قلبوا الحقائق و طعنوا في التشويه و التزوير الشيء الكثير.
و حتّى قال الإمام أحمد: ثلاث كتب لا أصل لها: المغازي و الملاحم و التفسير. قال المحقّقون من أصحابه: يعني أنّ الغالب على هذه الكتب أن ليس لها أسانيد صحاح متّصلة الإسناد[٢].
و هذا الإمام محمّد بن إدريس الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عبّاس في التفسير إلّا شبيه بمائة حديث[٣]. مراده: عدم صحّة الإسناد إليه في الكثير من المرويّات عنه.
و هذا الكلام و إن كان مبالغا فيه، إلّا أنّه يدلّنا على كثرة ما دخل في التفسير من أحاديث مكذوبة مصطنعة، فضلا عن الضعاف و المراسيل.
و قد عقد أبو عبد اللّه القرطبي في مقدّمة تفسيره بابا للتنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن و غيره. قال فيه: لا التفات لما وضعه الواضعون و اختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة و الأخبار الباطلة في فضل سور القرآن و غير ذلك من فضائل الأعمال، قد ارتكبها جماعة كثيرة اختلفت أغراضهم و مقاصدهم في ارتكابها. ثمّ أخذ في شرح تلك المقاصد و الآثار السيّئة التي ترتّبت على تلك المساوئ[٤].
* هذا أحمد بن عبد اللّه الجويباري- في عصر شيوخ الأئمّة[٥]- من أهل هرات، قال أبو حاتم محمّد بن حبّان: دجّال من الدجاجلة، كذّاب، يروي عن ابن عيينة و وكيع و أبي ضمرة و غيرهم من أصحاب الحديث، و يضع عليهم ما لم يحدّثوا. و قد روى عن هؤلاء الأئمّة ألوف حديث ما حدّثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم[٦].
قال ابن عديّ: كان يضع الحديث لابن كرّام[٧]، على ما يريده، و كان ابن كرّام يخرجها في كتبه
[١] التمهيد ٩: ٣٧- ٢١٤. عند الكلام عن آفات التفسير بالمأثور.
[٢] الإتقان ٤: ١٨٠.
[٣] المصدر: ٢٠٩.
[٤] راجع: القرطبي ١: ٧٨.
[٥] المغني في الضعفاء، للذهبي ١: ٤٣/ ٣٢٢.
[٦] كتاب المجروحين ١: ١٤٢.
[٧] هو: أبو عبد اللّه محمّد بن كرّام. كان صاحب بدعة و مذهب في التجسيم و التشبيه. قال عنه الشهرستاني: و نبغ رجل متنمّس بالزهد من سجستان، قليل العلم، قد قمش من كلّ مذهب ضغثا و أثبته في كتابه و روّجه على أغتام غرجة و غور و سواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه و صار ذلك مذهبا و قد نصره محمود بن سبكتكين و صبّ البلاء على أصحاب الحديث و الشيعة. و مذهبه أقرب إلى مذهب الخوارج، و هم مجسّمة. و مذهبه في الإمامة هو الجمع بين إمامين في زمان. فقد قالوا بإمامة عليّ و معاوية على سواء. توفّي ابن كرّام سنة ٢٥٥.( الملل و النحل للشهرستاني ١: ٣١ و ١٠٨- ١١٣).