التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣ - صياغة القرآن
قال: و إنّ الرسم هو الحروف المتغايرة، و هو: قراءة القرآن. و إنّه خطأ أن يقال: كلام اللّه هو هو أو بعضه أو غيره. و إنّ العبارات عن كلامه تعالى تختلف و تتغاير. و كلام اللّه ليس بمختلف و لا متغاير. كما أنّ ذكرنا للّه يختلف و يتغاير، و المذكور (هو اللّه تعالى) لا يختلف و لا يتغاير.
قال أبو الحسن الأشعري: فقد زعم ابن كلّاب أنّ ما نسمع التالين يتلونه، هو عبارة عن كلام اللّه- أي تعبير عنه و ليس نفسه- و أنّ موسى عليه السّلام سمع متكلّما بكلامه. و أنّ معنى قوله: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ[١] معناه: حتّى يفهم كلام اللّه، و يحتمل- على مذهبه- أن يكون معناه: حتّى يسمع التالين يتلونه[٢].
قلت: مآل كلامه إلى أنّ ما كان يقرع مسامع الأنبياء و نبيّ اللّه موسى عليه السّلام بالخصوص إنّما هو كلام حادث خلقه اللّه- في الهواء أو الشجرة أو غيرها- ليكون معبّرا عن كلامه تعالى القديم. أي مظهرا له و محلّا لتجلّي ذلك الوصف القديم. و ليس نفسه، كما في الإرادة القديمة و الحادثة، و العلم القديم و الحادث، شأن سائر صفات الذات، التي لها تجلّيات هي حادثة تنبئك عن ذلك الوصف القديم.
و قال القاضي عبد الجبّار: و ذهبت الكلابيّة إلى أنّ كلام اللّه تعالى هو معنى أزلي قائم بذاته تعالى، مع أنّه شيء واحد: توراة و إنجيل و فرقان. و أنّ هذا الذي نسمعه و نتلوه حكاية كلام اللّه تعالى. و فرّقوا بين الشاهد و الغائب.
قال: و ما دروا أنّ ذلك يوجب عليهم قدم الحكاية أو حدوث المحكيّ، فإنّ الحكاية و المحكيّ يجب أن يكونا من جنس واحد، و لا يجوز افتراقهما في قدم و لا حدوث[٣].
و قد فصّل الكلام في إبطال قولهم: إنّه تعالى متكلّم لم يزل بكلام مخالف لكلامنا[٤].
و على أيّة حال فإنّ مذهب القول بقدم القرآن، إنّما يعنى: أزليّة صفة كونه تعالى متكلّما، نظير صفة القدرة و العلم و الحياة، و أنّ ما يبرز إلى الوجود عبر الزمان من مظاهر قدرته تعالى و علمه و حكمته، فإنّما هي تجلّيات لذلك الأصل القديم.
و أين هذا من القول بأنّ صياغة القرآن- في نظم جمله و تراكيبه- هي من صنع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟!
[١] التوبة ٩: ٦.
[٢] مقالات الإسلاميّين ٢: ٢٥٧- ٢٥٨.
[٣] الأصول الخمسة: ٥٢٧.
[٤] راجع: المغني: ٩٥- ١١٦، فصل خلق القرآن.