التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - شرط الأخذ بالسياق
ذهب المشهور إلى أنّ هذه الآيات خطاب مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنهيه عن التسرّع بقراءة آية فور نزولها و قد اكتنفتها آيات قبلها و بعدها تحدّثت عن أحوال القيامة و أهوالها. فلا رابط بينهنّ، حيث اختلاف الاتّجاه.
و قال البلخي[١]: الذي أختاره: أنّه لم يرد القرآن، و إنّما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة.
يدلّ على ذلك ما قبله و ما بعده، و ليس فيه شيء يدلّ على أنّه القرآن و لا شيء من أحكام الدنيا.
و في ذلك تقريع للعبد و توبيخ له حين لا تنفعه العجلة. يقول: لا تحرّك لسانك بما تقرأه من صحيفتك التي فيها أعمالك. يعني: اقرأ كتابك و لا تعجل، فإنّ هذا الذي هو على نفسه بصيرة إذا رأى سيّئاته ضجر و استعجل، فيقال له توبيخا: لا تعجل و تثبّت، لتعلم الحجّة عليك، فإنّا نجمعها لك، فإذا جمعناه فاتّبع ما جمع عليك، بالانقياد لحكمه و الاستسلام للتبعة فيه، فإنّه لا يمكنك إنكاره- ثمّ إنّ علينا بيانه- لو أنكرت.
[م/ ٨٠] و قال الحسن: معناه: ثمّ إنّ علينا بيان ما أنبأناك أنّا فاعلون في الآخرة و تحقيقه[٢].
و هكذا ذهب إلى هذا الرأي من المعاصرين الشيخ محمود شلتوت، قائلا: و هنا- يوم القيامة- تقدّم له صحف أعماله و نيّاته فينبّأ بما قدّم و أخّر و عندئذ يحاول أن يخلص من صحيفته فيعجل بقراءتها لتطوى و يفرغ من حسابه و موقف خزيه، فيعلن بأنّ الأمر في ذلك ليس إليه، و إنّما هو إلى اللّه[٣].
و أمّا سيّدنا العلّامة الطباطبائي فدافع عن الرأي المشهور و قال- ردّا على رأي البلخي-: إنّ المعترضة لا تحتاج في تمام معناها إلى دلالة ممّا قبلها و ما بعدها عليه. على أنّ مشاكلة قوله:
وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ[٤] في سياقه لهذه الآيات، تؤيّد مشاكلتها له في المعنى[٥].
قلت: إن أراد رحمه اللّه من المعترضة، أنّ هذه الآيات الأربع، من قبيل الجمل المعترضة أثناء الكلام، فقد صرّح علماء البيان بأن لا بدّ فيها من كمال الارتباط، إمّا تعليلا لحكم أو تدليلا أو
[١] هو أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، العالم المشهور، كان رأس طائفة من المعتزلة، و هو صاحب مقالات و كان من كبار المتكلّمين. توفّي سنة ٣١٧.( ابن خلكان ٣: ٤٥/ ٣٣٠).
[٢] مجمع البيان ١٠: ١٩٧.
[٣] إلى القرآن الكريم: ١٨١.
[٤] طه ٢٠: ١١٤.
[٥] الميزان ٢٠: ١٩٧.