التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٣ - نماذج من نقد الحديث ذاتيا
قال: فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح و الحقّ الصريح في نظر المقلّد بدعة، نعوذ باللّه، يحتجّ بالقرآن على ثبوت السحر، و يعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عدّه من افتراء المشركين عليه. و يؤوّل في هذه و لا يؤوّل في تلك! مع أنّ الذي قصده المشركون ظاهر، لأنّهم كانوا يقولون: إنّ الشيطان يلابسه، و ملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم و ضرب من ضروبه، و هو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنّه قد خالط عقله و إدراكه في زعمهم.
قال: و الذي يجب اعتقاده أنّ القرآن مقطوع به و أنّه كتاب اللّه بالتواتر عن المعصوم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته و عدم الاعتقاد بما ينفيه، و قد جاء بنفي السحر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه و وبّخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور قطعا. و أمّا الحديث فعلى فرض صحّته هو آحاد و الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، و عصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ في نفيها عنه إلّا باليقين، و لا يجوز أن يؤخذ فيها بالظنّ و المظنون. على أنّ الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنّما يحصّل الظنّ عند من صحّ عنده، أمّا من قامت له الأدلّة على أنّه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجّة.
و على أيّ حال فلنا بل علينا أن نفوّض الأمر في الحديث و لا نحكّمه في عقيدتنا، و نأخذ بنصّ الكتاب و بدليل العقل، فإنّه إذا خولط النبيّ في عقله كما زعموا[١] جاز عليه أن يظنّ أنّه بلّغ شيئا و هو لم يبلّغه أو أنّ شيئا نزل عليه و هو لم ينزل عليه، و الأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان[٢].
انظر كيف عالج تلكم الروايات- مهما قيل في صحّة إسنادها- معالجة فنّيّة و نقدها نقدا علميّا و في ضوء هدي الكتاب و نور العقل الرشيد!
و على غراره جرى المفسّر المضطلع سيّد قطب، قال: هذه الروايات تخالف أصول العصمة النبويّة في الفعل و التبليغ و لا تستقيم مع الاعتقاد بأنّ كلّ فعل من أفعاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كلّ قول من أقواله سنّة و شريعة. كما أنّها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه مسحور، و تكذيب المشركين فيما كانوا يدّعونه من هذا الإفك. و من ثمّ نستبعد هذه الروايات، و أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، و المرجع هو القرآن. و التواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد، و هذه الروايات ليست من المتواتر، فضلا عن أنّ نزول هاتين السورتين في مكّة هو الراجح، ممّا يوهن أساس
[١] و لا سيّما في حديث الستة أشهر.
[٢] راجع: تفسير الشيخ محمّد عبده لجزء عمّ: ١٨١- ١٨٢.