إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٣٢ - مجوزات الكذب
غاية الأمر قدرة المكره على التفصّي عنه بإيقاع الصّورة من دون إرادة المعنى، لكنّه غير المكره عليه وحيث إنّ الأخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصّي بهذا الوجه، لم يعتبر ذلك في حكم الإكراه. و هذا بخلاف الكذب، فإنّه لم يسوّغ إلّاعند الاضطرار إليه، ولا اضطرار مع القدرة.
نعم، لو كان الإكراه من أفراد الاضطرار- بأن كان المعتبر في تحقّق موضوعه عرفاً أو لغةً العجز عن التفصّي كما ادّعاه بعض، أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة الاضطرار، بأن كان عدم ترتّب الأثر على المكره عليه من حيث إنّه مضطر إليه لدفع الضّرر المتوعّد عليه به عن النّفس والمال- كان ينبغي فيه اعتبار العجز عن التّورية، لعدم الاضطرار مع القدرة عليها.
والحاصل: أنّ المكره إذا قصد المعنى مع التمكّن من التّورية، صدق على ما أوقع أنّه مكره عليه، فيدخل في عموم «رُفع ما اكرهوا عليه». وأمّا المضطّر، فإذا كذب مع القدرة على التّورية، لم يصدق أنّه مضطّر إليه، فلا يدخل في عموم «رُفع ما اضطّروا إليه». هذا كلّه على مذاق المشهور من انحصار جواز الكذب بصورة الاضطرار إليه حتّى من جهة العجز عن التّورية، وأمّا على ما استظهرناه من الأخبار
حكومة لحديث الرفع[١]، و هذا بخلاف الحلف أو الإخبار كذباً، فإنّه جائز في مورد دفع الضرر حتى مع إمكان التورية أو إمكان التفصّي بغيرها، لما تقدّم من دلالة الروايات الخاصّة على هذا الجواز. ويترتّب على ذلك أنّه لو أراد الذهاب إلى بلد يكون له طريقان، وعلم أنّه لو سلك الطريق الفلاني يتعرّض له الجائر، فلابدّ في التخلص عن ضرره من الحلف كذباً، دون ما إذا سلك الطريق الآخر فلا يتعرّض له، فإنّه يجوز سلوك الطريق الأوّل والحلف له كذباً، وما في كلام المصنّف رحمه الله- من اعتبار العجز عن
[١] وسائل الشيعة ١٥: ٣٦٩- ٣٧٠، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس، الحديث ١ و ٣.