إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ١٦ - التورية وحكمها
وأمّا التّورية، وهي: أن يريد بلفظٍ معنىً مطابقاً للواقع وقصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك، ممّا هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب، أو المخاطب الخاصّ- كما لو قلت في مقام إنكار ما قلته في حقّ أحد: «علم اللَّه ما قلته»، وأردت بكلمة ما الموصولة، وفهم المخاطب النّافية، وكما لو استأذن رجل بالباب فقال الخادم له: «ما هو هاهنا» وأشار إلى موضع خال في البيت، وكما لو قلت: «اليوم ما أكلت الخبز»، تعني بذلك حالة النوم أو حالة الصّلاة، إلى غير ذلك- فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب. ولذا صرّح الأصحاب فيما سيأتي من وجوب التّورية عند الضرورة، بأنّه يورّي بما يخرجه من الكذب، بل اعترض جامع المقاصد على قول العلّامة [١] في القواعد- في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم، بأنّه «يجوز الحلف كاذباً، وتجب التّورية على العارف بها»-: بأنّ العبارة لا تخلو من مناقشة، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التّورية، ومعلوم أن لا كذب معها، انتهى.
ووجه ذلك: أنّ الخبر باعتبار معناه- وهو المستعمل فيه كلامه- ليس مخالفاً للواقع، وإنّما فهم المخاطب من كلامه أمراً مخالفاً للواقع لم يقصده المتكلّم من اللّفظ.
[١] قال العلّامة في «القواعد» في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم بأنّه: «يجوز الحلف كاذباً للمصلحة، ويجب التورية على العارف»[١]، انتهى. وظاهر ذلك وجوب التورية مع الحلف كاذباً على العارف بها، و هذا بظاهره التزام باجتماع الكذب والتورية؛ ولذا ذكر في «جامع المقاصد» عند شرح العبارة: أنّ العبارة لا تخلو عن مناقشة، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التورية[٢].
[١] قواعد الأحكام ٢: ١٨٨.
[٢] جامع المقاصد ٦: ٣٨.