إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ١٧ - التورية وحكمها
نعم، لو ترتّب عليها مفسدة حرمت من تلك الجهة، اللّهم إلّاأن يدّعى أنّ مفسدة الكذب- وهي الإغراء- موجودة فيها، وهو ممنوع، لأنّ الكذب محرّم، لا لمجرّد الإغراء. وذكر بعض الأفاضل: أنّ المعتبر في اتصاف الخبر بالصدق والكذب هو ما يفهم من ظاهر الكلام، لا ما هو المراد منه، فلو قال: «رأيت حماراً» وأراد منه «البليد» من دون نصب قرينة، فهو متّصف بالكذب و إن لم يكن المراد مخالفاً للواقع، انتهى موضع الحاجة.
والحاصل: أنّ المناقشة مبنيّة على عدم كون التورية كذباً كما هو الصحيح، فلا يعمّها ما دلّ على حرمة الكذب، و ذلك فإنّ المتكلّم لا يكون في مواردها قاصداً لحكاية أمر على خلاف الواقع، بل يكون قصده إلى ما هو حاصل في الواقع، ولكن السامع لا ينتقل إليه من كلامه، بل ينتقل إلى ما هو ظاهره، ويتخيّل أنّه بصدد حكاية حصول ذلك الظاهر. ومن هنا أنّه لا يكون من التورية ما إذا أراد المتكلّم ظاهر كلامه، وكان ذلك الظاهر مطابقاً للواقع ولكن لم يفهم السامع الظاهر، وتخيّل أمراً آخر لا يطابق الخارج، كما إذا قال للسائل: ليس عندي مال، وفهم السائل أنه فقير لا يملك مالًا.
ووجه عدم كون ذلك تورية أنّه يعتبر في التورية كون مراد المتكلم خلاف ظاهر الكلام.
وما ربّما يقال من أنّ مناط حرمة الكذب- وهو إغراء السامع- موجود في التورية أيضاً، لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه لم يعلم أنّ تمام ملاك حرمته هو الإغراء.
نعم، لو انطبق على التورية عنوان محرّم آخر كعنوان غشّ المؤمن في المعاملة ونحوها، تكون محرّمة بذلك العنوان.