إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٩ - مجوزات الكذب
وأمّا حكم العقل بقبح الكذب في غير مقام توقّف تحقّق المصلحة الرّاجحة عليه، فهو وإن كان مسلّماً إلّاأنّه يمكن القول بالعفو عنه شرعاً، للأخبار المذكورة، كما عفي عن الكذب في الإصلاح، وعن السبّ والتبرّي مع الإكراه، مع أنّه قبيح عقلًا أيضاً، مع أنّ إيجاب التّورية على القادر لا يخلو عن التزام ما يعسر كما لا يخفى، فلو قيل بتوسعة الشّارع على العباد بعدم ترتيب الآثار على الكذب في ما نحن فيه و إن قدر على التّورية، كان حسناً، إلّاأنّ الاحتياط في خلافه، بل هو المطابق للقواعد لولا استبعاد التقييد في هذه المطلقات، لأنّ النّسبة بين هذه المطلقات، وبين ما دلّ- كالرّواية الأخيرة وغيرها- على اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقاً، عموم من وجه، فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب، فتأمّل.
الضرر عن نفسه أيضاً؛ لعدم احتمال الفرق في الجواز وعدمه بين دفع الضرر عن نفسه وغيره.
هذا، مع أنّ رواية سماعة ضعيفة سنداً، لا يمكن الاعتماد عليها. وذكر الإيرواني رحمه الله[١] في وجه جواز الكذب لدفع الضرر مع التمكّن من التورية وعدمه أنّ الكذب عبارة عن التلفّظ بألفاظ والقصد إلى معنى منها لا يطابق الواقع، والإكراه على الكلّ كما يكون رافعاً لحرمة الكلّ كذلك الإكراه على الجزء يكون رافعاً لحرمته التبعيّة. وبما أنّ الألفاظ المزبورة جزء من الكذب، بل عمدته، وباعتبار الإكراه أو الاضطرار إليها ترتفع حرمتها التبعيّة فيجوز قصد المعنى منها؛ لأنّ مجرد قصد المعنى بدون التلفّظ ليس بحرام، والتلفّظ في الفرض باعتبار ارتفاع حرمته كالعدم،
[١] حاشية المكاسب للمحقق الإيرواني ١: ٢٣٥.