المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٠ - جواز الإحرام مع العلم بالإضطرار إلى التروك
مثلهم لنبّه على ذلك في الأخبار.
ويؤكّده أيضاً خبر الحميري المتقدِّم حيث تضمّن جواز الإحرام من الموضع الأفضل مع العلم باستلزامه التلبّس بتروك الإحرام [١].
[١] ثمّ إنّي قد كتبت سابقاً في موضوع الإحرام مع العلم بالإضطرار إلى تروك الإحرام رسالة اوردها في المقام:
مسألة: إذا علم المكلّف بأنّه مضطرّ إلى ارتكاب تروك الإحرام فهل يجوز له التلبّس بالإحرام؟ وذلك كما إذا علم المكلّف بأنّه مضطرّ إلى التظليل أو إلى لبس شيء من الثياب أو أكل شيء ممّا لا يحلّ للمحرم أكله أو استعمال ما لا يجوز للمحرم استعماله من الادهان أو الاكتحال أو ما شاكل ذلك.
والكلام في هذا تارةً من ناحية الحكم الوضعي وأنّه هل يصحّ الإحرام في هذا الفرض مع الالتفات إلى الضرورة؟ واخرى من ناحية الحكم التكليفي بعد فرض الصحّة؛ وثالثة من ناحية ثبوت الكفّارة وعدمه.
أمّا الكلام من ناحية صحّة الإحرام فالظاهر هو الصحّة؛ لعدم المحذور في ذلك سوى دعوى عدم تمشّي قصد التقرّب- الذي هو شرط صحّة العبادات كلّها- في الفرض؛ حيث يعلم المكلّف باضطراره إلى ارتكاب المحرّم على تقدير التلبّس بالإحرام؛ وهو اضطرار بالاختيار، وقد شاع أنّه لا ينافي الاختيار.
وإن شئت قلت: إنّه مع استلزام الإحرام لارتكاب المحرّم لا أمر بالإحرام حتّى بنحو الترتّب فضلًا عن الأمر المطلق.
أمّا عدم صحة الأمر المطلق- في مقابل الأمر الترتّبي- فواضح؛ فإنّه لا يعقل مع فرض حرمة الملازم.
وأمّا عدم الأمر حتّى بنحو الترتّب فلأنّ الأمر الترتّبي إنّما يصحّ في موارد استلزام الواجب للحرام إذا لم تكن الحرمة ناشئة من نفس الوجوب؛ نظير ما لو استلزم الوضوء تصرّفاً محرّماً، وليست حرمة التصرّف ناشئة من وجوب الوضوء.
وأمّا إذا نشأت الحرمة من نفس التكليف الوجوبي فلا مجال للوجوب بعد استلزامه لحرمة لا مناص منها.
ويشكل بأنّه: إن كانت الحرمة ثابتة بالفعل فلا يبقى مجال للأمر بالإحرام بعد استلزامه لارتكاب الحرام إلّابإلغاء الحرمة، وإلّا كان من التكليف بغير المقدور؛ فإنّ مطلوبية الإحرام فعلًا في فرض استلزامه للمحرّم لا يعقل بعد كون الحرمة في اللازم أيضاً فعليّة.
وأمّا إذا كانت الحرمة معلّقة ومنوطة بالإحرام فهي فرع الأمر بالإحرام وصحّته؛ إذ بدونها لا حرمة؛ فإذا صحّ الإحرام سقط حرمة اللوازم بدليل الاضطرار.
وكون الاضطرار بالاختيار لا ينافي اندراجه في عموم حديث الرفع؛ بعد كون الاختيار في غير فرض فعلية التحريم؛ فهو من قبيل إتلاف الماء قبل حلول وقت الصلاة؛ الذي لا ينافي اندراج المكلّف في عموم دليل التيمّم وعدم كونه آثماً بذلك.
وبما ذكرنا اتّضح الكلام في الناحية الاخرى أعني حكم التلبّس بالإحرام تكليفاً؛ وأنّه لا بأس بذلك بعد كون استلزامه لارتكاب التروك قبل فعليّة الحكم في التروك؛ فليس الإحرام مستلزماً لارتكاب التروك بما هي محرّمة؛ وإن استلزم ارتكابها بالغضّ عن حكمها؛ فإنّ التروك قبل التلبّس بالإحرام ليست محرّمة فعلًا؛ وبعد التلبّس أيضاً ليست محرّمة بدليل الاضطرار.
وكون الاضطرار بالاختيار غير مانع من اندراج الفعل في الحرمة إنّما هو إذا كان الحكم بالتحريم في فرض الاختيار فعليّاً لا بدونه.
وبذلك يتّضح الكلام في الناحية الثالثة أعني الكفّارة؛ فإنّ مقتضى عموم أدلّة الرفع عند الاضطرار هو عدم وجوب الكفّارة؛ كاقتضائها عدم الحرمة تكليفاً.
وما يقال: من أنّ دليل الرفع لا يعمّ الاضطرار بالاختيار فيعمّه دليل الكفّارة.
يردّه: ما تقدّم آنفاً من أنّه لا قصور في دليل الرفع عن مثل هذا الاضطرار إذا لم يكن الاختيار حال فعليّة الحكم بالحرمة؛ بل كان قبلها.
نعم، لو كان هناك دليل خاصّ على ثبوت الكفّارة في فرض الاضطرار كان تخصيصاً في حديث الرفع لا محالة؛ وقد دلّ على ذلك في بعض فروض الاضطرار؛ كما في الاضطرار إلى التظليل مطلقاً أو في خصوص ما إذا كانت الضرورة لمرض أو ضعف؛ وأمّا إذا كانت الضرورة إلى غير التظليل من سائر التروك- كلبس المخيط أو المعالجة بالأدهان ونحوها- أو كانت الضرورة إلى التظليل لا بسبب المرض ونحوه، بل كان بسبب التقيّة أو غيرها من فروض عدم التمكّن من التجنّب- كما إذا لم يوجد مركب بدون التظليل ولم يمكن السفر بغير ذلك- فلا موجب للكفّارة.
كما أنّه لو كان الاضطرار إلى المحرّم اختياراً بعد فعليّة الحرمة أمكن الإشكال في عموم حديث الرفع فيه لإسقاط الكفّارة؛ كما لو جعل نفسه بعد الإحرام مضطرّاً إلى التظليل مع تمكّنه من التجنّب عن ذلك.
والسرّ في خروج فرض الاضطرار إلى المحرّمات بالاختيار عن دليل رفع الاضطرار هو: اندراج مثل ذلك في الفعل الاختياري؛ ومقتضى التقابل بين الاختياري والاضطراري هو عدم صدق الاضطرار في مثل ذلك؛ فيختصّ الاضطرار عرفاً بما لا اختيار فيه أصلًا؛ وكثير من الأفعال الاختيارية تخرج عن الاختيار إلى الضرورة في بعض مراحل وقوعها، ومع ذلك لا تخرج عن صدق الاختيار.
ألا ترى أنّ من رمى سهماً لا يمكنه إمساكه بعد الرمي وقبل الإصابة ومع ذلك تكون الإصابة فعلًا موصوفاً بالاختيار بقول مطلق؛ فلا تكون الضرورة المنتهية إلى الاختيار؛ موجباً لصدق الضرورة والخروج عن صدق الاختيار.
وبالجملة: لا يشترط في صدق الاختيار كون الفعل إلى حين وقوعه قابلًا للوقوع والعدم؛ ونتيجة ذلك عدم ارتفاع الحكم التكليفي عن الأفعال المنتهية إلى الاختيار؛ ولكن هذا فيما كان الحكم التكليفي فعليّاً.
وأمّا قبله فإنّه وإن صدق الاختيار في الفعل ولكن ليس الفعل بوصف كونه محرّماً متعلّقاً للاختيار والإرادة؛ وما لا يجوز إنّما هو فعل الحرام بوصف الحرمة حال الاختيار، لا مطلق الفعل الاختياري.
وأمّا وجوب الكفّارة بمثل ذلك فلولا حديث الرفع فهو شامل بإطلاقه- حيث يكون- للفعل الاختياري والاضطراري معاً؛ فإذا اختصّ الحكم التكليفي بغير فرض الضرورة فلا يبعد اختصاص الكفّارة أيضاً بذلك؛ لانصراف دليل الكفّارة إلى فرض ثبوت الحكم التكليفي؛ وعدم شمول ذلك لما إذا لم يكن حكم تكليفي في ذات الفعل.
وعلى ما ذكرنا من صدق الفعل الاختياري في فرض الضرورة بالاختيار يعمّ دليل الكفّارة ذلك الفرض؛ فإذا كان دليل الكفّارة مخصوصاً بفرض العصيان، فكما لا يكون الفعل اضطراراً بسبب الاختيار عصياناً، إذا كان التسبيب إلى الضرورة قبل فعليّة الحكم، كذلك لا يعمّه دليل الكفّارة.
فمن أراق الماء وعجز عن الصلاة مع الوضوء بسببه فقد يكون ذلك قبل الوقت وقد يكون بعده؛ وفي كلا الفرضين يكون مختاراً في ترك الصلاة مع الوضوء؛ إلّاأنّ مطلق ترك الصلاة متوضّئاً ليس محذوراً؛ وإنّما المحذور هو ترك الصلاة مع الوضوء حيث تجب الصلاة متوضّئاً؛ ولا وجوب للصلاة قبل الوقت أصلًا؛ وأمّا بعد الوقت فحيث أنّ الواجب هو الصلاة متوضّئاً على واجد الماء، لم يكن مُريق الماء قبل الوقت مصداقاً لذلك؛ فلم يكن ترك الصلاة مع الوضوء مصداقاً لترك الواجب.