طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - المسلك الثاني الإجماع اللطفي
فاللطف يقتضي إيجاد ظروف ثقافية وفكرية لتكميل النفوس القابلة والإرشاد إلى مناهج الصلاح؛ لأنّه يجب على الشارع أو المقنّن إيجاد الشرائط ومقدّمات إجراء أحكامه وقوانينه، وإلّا يلزم نقض غرضه، فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليوصله إلى الكمال بطاعته وترك معصيته، وهذا يحتاج إلى بعث الرسل وإنزال الكتب وجعل التكاليف وإيصالها إليه، وإلّا فقد نقض غرضه، وهذا هو معنى اللطف في مصطلح علماء الكلام.
وهو مقبول بالنسبة إلى الشرائط والمقدّمات الّتي يوجب عدمها نقض الغرض ولكن لا يمكن تطبيق القاعدة على المقام؛ لعدم وضوح المصلحة الّتي اقتضت اختفاء الإمام عليه السلام، فلعلّها امتحان للناس كما امتحن بني إسرائيل بغيبة موسى عليه السلام وذهابه إلى جبل طور في فترة من الزمان، أو أنّها لحفظ نفس الإمام عليه السلام، أو لعدم قابلية الناس وعصيانهم، فلو صلحوا وأطاعوا لظهر الإمام عليه السلام.
وعلى كلّ حال نفس المصلحة الّتي تقتضي خفاءه وغيبته قد تكون موجودة في اختفاء بعض الأحكام أيضاً.
ولقد أجاد المحقّق الطوسي رحمه الله حيث قال: «وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وعدمه منّا» [١] يعني أنّ لوجود الإمام عليه السلام ألطافاً عديدة:
منها: أصل وجوده الشريف، فإنّه من أسباب قوام نظام الكون، وهذا باقٍ في عصر الغيبة أيضاً؛ فإنّه العلّة الغائية لخلق العالم لأنّه أتمّ مصاديق الإنسان الكامل الذي خلق الكون لأجله، ونور اللَّه الذي يهتدي به المهتدون.
ومنها: ظهوره وتصرّفه، فإنّ حكومته وقيادته لطف آخر، ولكن عدم هذا اللطف وانقطاعه منّا، وقطع هذا القسم من اللطف لا يلازم انقطاع القسم الأوّل منه.
وعليه لو سلّمنا أنّ مقتضى القاعدة إلقاء الخلاف، إلّاأنّه لا تنحلّ المشكلة به، ما لم يمنع أكثر الفقهاء عن الوقوع في الخطأ؛ لأنّ مجرّد إلقاء الخلاف لبعض لا يهدي
[١]. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص ٤٩٠