طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - المقام الأوّل إجزاء المأمور به عن أمر نفسه
الأمر الرابع: ربما يتوهّم أنّه لا فرق بين هذه المسألة ومسألة دلالة الأمر على المرّة و التكرار؛ لأنّ لازم الإجزاء هو إتيان المأمور به مرّة واحدة، ولازم عدم الإجزاء هو إتيانه مكرّراً، وعليه فلا وجه لعقدهما مسألتين مستقلّتين.
لكن الفرق بينهما واضح، لأنّ البحث في مسألة المرّة والتكرار يكون في مفاد صيغة الأمر ومقدار داعوية الأمر، وأمّا في مسألة الإجزاء يكون في اقتضاء الإتيان والإمتثال للمأمور به بما له من الدعوة الإجزاء؛ سواء كان المأمور به واحداً أو أكثر.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ البحث يقع في مقامات أربع:
١. إجزاء الإتيان بالمأمور به الواقعي أو الظاهرىّ أو الاضطراري عن أمر نفسه.
٢. إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي الاختياري.
٣. إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري الشرعي عن الأمر الواقعي.
٤. إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري العقلي عن الأمر الواقعي.
المقام الأوّل: إجزاء المأمور به عن أمر نفسه
والحقّ أنّه لا إشكال في كون إتيان المأمور به فيها مجزياً عنها، والدليل عليه هو العقل؛ لأنّ الإمتثال بعد الإمتثال مع حصول الغرض تحصيل للحاصل.
ولكن قد خالف فيه أبو هاشم وعبدالجبّار من قدماء المتكلّمين من أهل السنّة فقالا: بأنّه يمكن القول بعدم الإجزاء فيها [١]، ولعلّ منشأ خطأهما وجود بعض الأمثلة في الفقه الّتي قد امر فيها بإتمام العمل مع الأمر بإعادته كالحجّ الفاسد الذي أمر الشارع بإتمام مناسكه مع إيجابه الإعادة في السنة القابلة.
والمسألة عندنا ممّا لا إشكال فيها ولا غبار عليها لما مرّ من حكم العقل بالإجزاء وأمّا ما اشير إليه من مثال الحجّ ونحوه فالمستفاد من جملة من الروايات
[١]. انظر، المحصول في علم الأصول للفخر الرازي، ج ٢، ص ٢٤٦؛ الإحكام في اصول الأحكام للآمدي، ج ٢، ص ١٧٥