طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٢ - ٣ تقليد الميّت
على التقليد بعد الموت فيجوز [١].
واستدلّ القائلون بالجواز بوجوه عمدتها السيرة المستمرّة للعقلاء على أنّ آراء الأموات المكتوبة في كتبهم كآراء الأحياء في جميع الفنون كاللغة والطبّ والرجال ونحوها، وأمّا مهجوريّة بعض الآراء فلا ربط لها بالممات أو الحياة، فإنّه كثيراً ما يترك بعض آراء الحيّ أيضاً في زمان حياته لظهور رأي أقوى منه، وصيرورته مهجوراً بعد أن كان مقبولًا.
واستدلّ القائلون بعدم الجواز بوجوه عمدتها الإجماع، فقد نقل عن صاحب المسالك أنّه قال: صرّح الأصحاب باشتراط الحياة [٢]، وعن صاحب المعالم رحمه الله أنّه قال: العمل بفتاوي الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق أصحابنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت [٣].
ولا يخفى أنّ هذا الإجماع ليس مدركياً بل إنّه ضدّ المدرك، لما مرّ من أنّ القائلين بجواز تقليد الميّت يستدلّون عليه ببناء العقلاء؛ لأنّهم يعتبرون لجميع الكتب العلمية بعد الموت ما يعتبرونه في زمن الحياة، فإنّ الفقهاء خالفوا هذا البناء بإجماعهم على عدم الجواز، وهذا من الموارد الّتي يكون الإجماع فيها مخالفاً للقواعد، فضلًا عن أن يكون مستنداً إليها، فلا يبعد اعتباره بما هو إجماع وقد عرف الشيعة بهذه الفتوى في مقابل العامّة القائلين بوجوب تقليد أئمّتهم الأربعة بعد موتهم بقرون كثيرة.
نعم، حيث إنّ هذا الإجماع دليل لبّي لابدّ من الاكتفاء فيه بالقدر المتيقّن، والقدر المتيقّن منه إنّما هو التقليد الابتدائي فحسب، فهو رادع عن بناء العقلاء بالنسبة إلى خصوص الابتدائي، وأمّا الاستمراري فحجّية بناء العقلاء فيه بلا مزاحم، وحينئذٍ
[١]. انظر: العروة الوثقى، ج ١، ص ١٦، المسألة ٩ مع ما علّق عليها كثير من الأعلام المتأخّرين
[٢]. مسالك الأفهام، ج ٣، ص ١٠٩
[٣]. معالم الدين، ص ٢٤٨