طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - المقام الثالث في الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع
المقام الثاني: في إمكان إدراك الحسن والقبح الذاتيين
والدليل عليه يظهر ممّا مرّ في المقام الأوّل، نعم ينبغي الإشارة إلى أنّ حكم العقل بالحسن أو القبح يكون على حدّ الموجبة الجزئية لا الكلّية، ولا يقول أحد بأنّ العقل يدرك جميع المصالح والمفاسد وما يتبعهما من الحسن والقبح، وذلك لأنّ القضايا على ثلاثة أنواع:
نوع منها يدرك العقل الحسن أو القبح فيها بالضرورة والبداهة كقضيتي «العدل حسن» و «الظلم قبيح».
ونوع آخر يكون درك العقل للحسن أو القبح فيها بالاستدلال والبرهان كقضية «الصدق حسن» ولو أضرّ بمنفعة الشخص، فيدرك حسن الصدق الضارّ بالتأمّل والنظر.
ونوع ثالث منها لا يدرك العقل الحسن أو القبح فيها لا بالضرورة ولا بالتأمّل وذلك كما في جزئيات كثير من الأحكام الشرعيّة.
ومن هنا يظهر الجواب عن استدلال الأخباريين ببعض الروايات الدالّة على قصور العقل في إدراكه لمصالح الأحكام ومفاسدها كقوله عليه السلام:
«إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول» [١]
، فإنّ الظاهر أنّ هذه الروايات ناظرة إلى القسم الثالث من القضايا، ولا تدلّ على نفي الإدراك مطلقاً، كيف والشارع بنفسه يستدلّ بالعقل في كثير من الموارد ويخاطب الناس بقوله: «أفلا تتفكّرون» و «أفلا تعقلون» و «يا اولي الألباب» ولذلك اعترف كثير من الأخباريين بإدراك العقل للضروريات العقليّة واضطرّوا إلى استثنائها من مقالتهم، وقد مرّ تفصيل الجواب عنهم في مباحث القطع وحجّية القطع الحاصل من طريق العقل.
المقام الثالث: في الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع
وقبل الورود في البحث عنها لابدّ من تفسير كلمة «الحكم» الوارد في قاعدة
[١]. بحار الأنوار، ج ٢، ص ٣٠٣