طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٩ - الأوّل الآيات
الأوّل: أنّ الآية تدلّ على نفي فعليّة العذاب لا نفي استحقاقه، ونفي الفعليّة ليس لازماً مساوياً لنفي الاستحقاق حتّى يدلّ نفيها على نفيه، بل هو أعمّ من كونه من باب عدم الاستحقاق أو من باب تفضّله تبارك وتعالى على عباده مع استحقاقهم للعذاب، فلا يصحّ الاستدلال بالآية على البراءة [١].
ويمكن الجواب عنه بأنّ ما يهمّنا في الفقه إنّما هو الأمن من العذاب، وهو حاصل بنفي الفعليّة سواء لزمه نفي الاستحقاق أم لا.
الثاني: النقض بالمستقلّات العقليّة، فإنّه لا إشكال في تعذيبه تعالى على ترك المستقلّات العقليّة، كقبح قتل النفس المحترمة والسرقة والخيانة وغيرها من المعاصي الّتي يحكم بقبحها العقل مستقلًاّ، ولو وقعت قبل بعث الرسل [٢].
والجواب عنه: أنّ الآية منصرفة إلى أحكام تحتاج إلى البيان، ولا حاجة إلى البيان في المستقلّات العقليّة الّتي لا يصحّ فيها الإعتذار بقولهم: «لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى».
فظهر بذلك أنّ الآية الشريفة صالحة للاستدلال بها على أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة.
ومنها: قوله تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [٣]، ودلالتها على المدّعى تتمّ إذا كانت «يضلّ» بمعنى «يعذّب» لأنّ مفادها حينئذٍ عدم العقاب بلا بيان، فالمهمّ في المقام تعيين معنى «يضلّ» بعد عدم تصوّر معناها اللغوي المعروف بالنسبة إلى الباري تعالى، فنقول: يحتمل فيها أربعة وجوه:
١. أن يكون بمعنى التعذيب.
[١]. كفاية الاصول، ص ٣٣٩
[٢]. العدّة في اصول الفقه، ج ٢، ص ٧٤٦؛ الفوائد المدنية، ص ٢٣٦- ٢٣٧
[٣]. سورة التوبة، الآية ١١٥