طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤١ - ٣ أدلّة المثبتين
النجّار أو الكفّاش مثلًا صنع باب أو نعلين من دون تقدير للوزن أو القيمة، كما يمكن التمثيل لها في عصرنا هذا بركوب السيارة من دون تقدير للُاجرة.
لكن يرد عليه، أوّلًا: أنّ الإجماع قام على هذه الأحكام بالخصوص لا على استحسانها، وهو في الواقع ليس إجماعاً في المصطلح، بل سيرة مستمرّة إلى زمن النبي صلى الله عليه و آله، لو ثبتت أنّ السيرة قامت على هذه الأحكام، فهو دليل على حجّية سيرة المسلمين إذا كانت في عصره صلى الله عليه و آله ولم ينه عنها.
وثانياً: أنّه يمكن إدخال هذه الأحكام تحت عناوين معروفة في فقهنا الثابتة بالأدلّة المعتبرة، فيدخل المثال الأوّل والثاني في عنوان الإباحة مع الضمان الذي له مصاديق كثيرة في الفقه وكذلك مثال ركوب السيارة.
يبقى مثال الاستصناع، وهو أيضاً يدخل في عنوان البيع، كما إذا اشترى الأبواب على نحو الكلّي في الذمّة إذا ذكر خصوصيّات الباب وقيمته، نعم أنّه ليس داخلًا في عقد من العقود إذا ذكر للنجّار خصوصيّات للباب ووعده أن يشتري منه فيما بعد من دون تعيين القيمة، ولكن عليه اشتراؤه دفعاً للضرر.
هذا في ما استدلّوا به أنفسهم على حجّية الاستحسان، ويمكن أن يستدلّ لهم بدليل الانسداد حيث إنّه في صورة الانسداد لا يكون الظنّ القياسي كافياً لهم، بل لابدّ من التعدّي إلى الظنّ الاستحساني.
والجواب عنه واضح، وهو ما مرّ من كفاية الكتاب والسنّة مع ملاحظة الروايات المروية من طرق أهل البيت عليهم السلام، فكم من مشكلة حصلت لهم بسبب إعراضهم عن حديث الثقلين وروايات العترة الطاهرة عليهم السلام.
فقد ظهر إلى هنا أنّه إذا كان الاستحسان قطعياً فلا إشكال في حجّيته من باب كونها من المستقلّات العقليّة أو من اليقينيّات، وإذا كان ظنّياً يكون مشمولًا لأدلّة عدم حجّية الظنّ.