تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٨٧ - الفصل الأوّل في خلاف الصحابة
أمّي ... إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي [١] و قال: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [٢] أي أنّ الحلّ الوحيد هو إعلان الحرب عليهم و بذلك أخاف عليهم الفرقة و الانقسام فتكثر الفتنة و تزداد اشتعالا، و حينئذ نقول: إنّ عذر عليّ من جنس عذر هارون إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ [٣].
و هنا وجدوا عليّا ضعيفا أي لا يملك العدد و المدد، و عبد الناس العجل، و كان عليّ (عليه السلام) يكثر من قول: ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه، و مرّ هذا الباب مشروحا بأكثر ممّا قلناه هنا.
و لمّا بلغ بالقوم المقام إلى هذا الحدّ قالوا: لا يقف في وجوهنا شيء اليوم، لكنّنا يتحتّم علينا أخذ البيعة من عليّ (عليه السلام) بأيّة وسيلة كانت و إلّا بقي أمرنا على غير التمام، و لا ينتظم لنا أبدا أمر.
تقول عائشة: ما بايع عليّ و فاطمة على قيد الحياة ستّة أشهر بعد وفاة
[١] الأعراف: ١٥٠.
[٢] طه: ٩٤.
[٣] الأعراف: ١٥٠.
هذا جواب واقعيّ و هو عين الصواب، فقد قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة الجزء الثالث ص ٣٠١ و ٣٠٢: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له: إنّي لأعجب من عليّ (عليه السلام) كيف بقي تلك المدّة الطويلة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و كيف ما اغتيل و فتك به في جوف منزله مع تلظّي الأكباد عليه؟! فقال: لو لا أنّه أرغم أنفه بالتراب و وضع خدّه في حضيض الأرض لقتل و لكنّه أخمل نفسه و اشتغل بالعبادة و الصلاة و النظر في القرآن و خرج عن ذلك الزي الأوّل و ذلك الشعار و نسي السيف و صار كالفاتك يتوب و يصير سائحا في الأرض أو راهبا في الجبال، فلمّا أطاع القوم الذين ولّوا الأمر صار أذلّ لهم من الحذاء (كذا) تركوه و سكتوا عنه. (بحار الأنوار ٢٩: ١٣٩).