تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٧٣ - الفصل الخامس في تمام قصّة موته
هناك يومين حتّى قدمت عائشة في اليوم الثالث و دعته إلى بيتها، فنهض رسول اللّه إلى بيتها، و لمّا بلغ البيت أذّن المؤذّن، فأمرت عائشة أباها بالصلاة، و لمّا سمع رسول اللّه صوت أبي بكر بالتكبير، نادى: من قال لهذا يصلّي بالناس؟ فقالت عائشة: أنا أمرته يا رسول اللّه. قال: إنّكنّ لصويحبات يوسف، أي تأمرن بالشيء و تفعلنه لا لصواب، ثمّ وضع يده على عاتق عليّ و اليد الأخرى على عاتق ميمونة و خرج من البيت، و إذا بالفضل بن العبّاس قادم، فصرف ميمونة و وضع يده على عاتقه، و إنّ رجليه ليخطّان الأرض حتّى بلغ المسجد، و أشار إلى أبي بكر بيده فتنحّى له عن المحراب، و لم يعبأ بصلاته بل استأنف الصلاة و عاد إلى منزله.
و حضر عنده أبو بكر و عمر، فقال لهما رسول اللّه: ألم آمركما بالخروج مع أسامة؟ فقال أبو بكر: لم أشأ أن أسأل عنك الركبان؟! فاستدعى أسامة و أمره بتعجيل الخروج بأصحابه، و قال: إنّي اخترتك لهذا الأمر، و أغمي عليه، فارتفعت الضجّة في البيت، فلمّا أفاق قال: آتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، ثمّ أغمي عليه، فقاموا ليأتوه بما طلب، فاعترضهم عمر و قال: الرجل يهدي، فلمّا أفاق من غشوته قالوا: يا رسول اللّه، أنأتيك بما طلبته؟ فقال: أبعد الذي قلتم ما أردتم و سمعته، يعني قول عمر لعنه اللّه.
و أمر المسلمين بمتابعة أهل بيته و أوصاهم بهم، و قال أخيرا: الصلاة، و ما ملكت أيمانكم، و كرّر هذا القول مرارا، و يقول في كلّ ساعة: أنفذوا جيش أسامة، و قال بعد ذلك: لعن اللّه من تخلّف عن جيش أسامة، و حوّل وجهه عمّن في المجلس، فلمّا رأوه فعل ذلك قاموا و لم يبق إلّا أمير المؤمنين و العبّاس و الفضل بن العبّاس، فقال العبّاس: يا رسول اللّه، و كيف نكون بعدك؟ قال: تظلمون و تغلبون، فصاح أهل البيت، فأقبل على عمّه العبّاس و قال: تقبل وصيّتي؟ فقال العبّاس:
عمّك شيخ و ما به على هذا الأمر طاقة، ثمّ قال لأمير المؤمنين: أتقبل وصيّتي؟