أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٨٣ - وجه حجّيّة حكم العقل
و أمّا: ما ورد عن آل البيت (عليهم السّلام) من نحو قولهم: «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» (١) فقد ورد في قباله مثل قولهم: «إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة، فأمّا: الظاهرة فالرسل، و الأنبياء، و الأئمّة (عليهم السّلام)، و أمّا: الباطنة فالعقول». (٢)
و الحلّ لهذا التعارض الظاهريّ بين الطائفتين هو أنّ المقصود من الطائفة الأولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام و مداركها في قبال الاعتماد على القياس، و الاستحسان؛ لأنّها واردة في هذا المقام، أي إنّ الأحكام و مدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال، و هو حقّ، كما شرحناه سابقا.
و من المعلوم أنّ مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو دعوى أنّ للعقل أن يدرك الأحكام مستقلّا، و يدرك ملاكاتها، و مقصود من يعتمد على القياس هو دعوى أنّ للعقل أن يدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس.
و هذا معنى الاجتهاد بالرأي. و قد سبق (٣) أنّ هذه الإدراكات ليست من وظيفة العقل النظريّ، و لا العقل العمليّ؛ لأنّ هذه أمور لا تصاب إلّا من طريق السماع من مبلّغ الأحكام.
و عليه، فهذه الطائفة من الأخبار لا مانع من الأخذ بها على ظواهرها؛ لأنّها واردة في مقام معارضة الاجتهاد بالرأي، و لكنّها أجنبيّة عمّا نحن بصدده، و عمّا نقوله في القضايا العقليّة التي يتوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ، كما أنّها أجنبيّة عن الطائفة الثانية من الأخبار التي تثني على العقل، و تنصّ على أنّه حجّة اللّه الباطنة؛ لأنّها تثني على العقل فيما هو من وظيفته أن يدركه، لا على الظنون و الأوهام، و لا على ادّعاءات إدراك ما لا يدركه العقل بطبيعته.
الثالثة: بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجّيّة القطع و النهي عنه يجب أن نتساءل عن معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل؟
و الجواب الصحيح عن هذا السؤال عند هؤلاء أن يقال: إنّ معناه إدراك الشارع و علمه
[١]. بحار الأنوار ٢: ٣٠٣.
[٢]. أصول الكافي ١: ١٦.
[٣]. راجع الصفحة: ٤٨٠- ٤٨٢.