أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٥٧ - ٣ هل استعمال العامّ في المخصّص مجاز؟
و قيل: بالعكس (١).
و الحقّ عندنا هو القول الثاني، أيّ إنّه حقيقة مطلقا.
الدليل: أنّ منشأ توهّم القول بالمجاز أنّ أداة العموم لمّا كانت موضوعة للدلالة على سعة مدخولها و عمومه لجميع أفراده، فلو أريد منه بعضه فقد استعملت في غير ما وضعت له، فيكون الاستعمال مجازا. و هذا التوهّم يدفع بأدنى تأمّل؛ لأنّه في التخصيص بالمتّصل كقولك مثلا: «أكرم كلّ عالم إلّا الفاسقين» لم تستعمل أداة العموم إلّا في معناها، و هو الشمول لجميع أفراد مدخولها، غاية الأمر أنّ مدخولها تارة يدلّ عليه لفظ واحد مثل:
«أكرم كلّ عادل»، و أخرى يدلّ عليه أكثر من لفظ واحد في صورة التخصيص، فيكون التخصيص معناه أنّ مدخول «كلّ» ليس ما يصدق عليه لفظ عالم- مثلا-، بل هو خصوص العالم العادل في المثال. و أمّا «كلّ» فهي باقية على ما لها من الدلالة على العموم و الشمول؛ لأنّها تدلّ حينئذ على الشمول لكلّ عادل من العلماء، و لذا لا يصحّ أن يوضع مكانها كلمة «بعض»، فلا يستقيم المعنى لو قلت: «أكرم بعض العلماء إلّا الفاسقين»، و إلّا لما صحّ الاستثناء. كما لا يستقيم لو قلت: «أكرم بعض العلماء العدول»؛ فإنّه لا يدلّ على تحديد الموضوع كما لو كانت «كلّ» و الاستثناء موجودين.
و الحاصل أنّ لفظة «كلّ» و سائر أدوات العموم في مورد التخصيص لم تستعمل إلّا في معناها، و هو الشمول.
و لا معنى للقول بأنّ المجاز في نفس مدخولها؛ لأنّ مدخولها مثل كلمة «عالم» موضوع لنفس الطبيعة من حيث هي، لا الطبيعة بجميع أفرادها أو بعضها. و إرادة الجميع أو البعض إنّما يكون من دلالة لفظة أخرى ك «كلّ»، أو «بعض»، فإذا قيّد مدخولها و أريد منه المقيّد بالعدالة في المثال المتقدّم لم يكن مستعملا إلّا في معناه، و هو من له العلم، و تكون إرادة ما عدا الفاسق من العلماء من دلالة مجموع القيد و المقيّد من باب تعدّد الدالّ و المدلول. و سيجىء- إن شاء اللّه تعالى- أنّ تقييد المطلق لا يوجب مجازا.
[١]. لم يذكر له قائل.
و حكى الآمدي خمسة مذاهب أخر. فراجع الإحكام ٢: ٣٣١.