أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٨٩ - المقام الثاني في المفاضلة بين المرجّحات
نعم، إنّ المقبولة- التي هي عمدتنا في الباب، و التي لم نستفد منها الترجيح بالصفات كما تقدّم- ذكرت الشهرة أوّلا، و يظهر منها أنّ الشهرة أكثر أهمّيّة من كلّ مرجّح (١). و أمّا: باقي المرجّحات فقد يقال: لا يظهر من المقبولة الترتيب بينها، كيف؟ و قد جمعت بينها في الجواب عند ما فرض السائل الخبرين متساويين في الشهرة.
و على كلّ حال، فإنّ استفادة الترتيب بين المرجّحات من الأخبار مشكلة جدّا، ما عدا تقديم الشهرة على غيرها.
و منها: أنّه يبتني- بعد فرض القول بالتّعدي إلى غير المرجّحات المنصوصة- على أنّ القاعدة هل تقتضي تقديم المرجّح الصدوريّ على المرجّح الجهتيّ، أو بالعكس، أو لا تقتضي شيئا منهما؟ و على التقدير الثالث لا بدّ أن يرجع إلى أقوائيّة المرجّح في الكشف عن مطابقة الخبر للواقع، فكلّ مرجّح يكون أقوى من هذه الجهة- أيّا كان- فهو أولى بالتقديم.
و قد أصرّ شيخنا النائينيّ (قدّس سرّه) (٢) على الأوّل- أي إنّه يرى أنّ القاعدة تقتضي تقديم المرجّح الصدوريّ على المرجّح الجهتيّ-. و بنى ذلك على كون الخبر صادرا لبيان الحكم الواقعي، لا لغرض آخر يتفرّع على فرض صدوره حقيقة، أو تعبّدا؛ لأنّ جهة الصدور من شئون الصادر، فما لا صدور له لا معنى للكلام عنه أنّه صادر لبيان الحكم الواقعيّ أو لبيان غيره.
و عليه، فإذا كان الخبر الموافق للعامّة مشهورا و كان الخبر الشاذّ مخالفا لهم كان الترجيح للشهرة، دون مخالفة الآخر للعامّة؛ لأنّ مقتضى الحكم بحجّية المشهور عدم حجّيّة الشاذّ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي، ليحمل المشهور على التقيّة؛ إذ لا تعبّد بصدور الشاذّ حينئذ.
أقول: إنّ المسلّم إنّما هو تأخّر رتبة الحكم بكون الخبر صادرا لبيان الواقع أو لغيره عن الحكم بصدوره حقيقة، أو تعبّدا، و توقّف الأوّل على الثاني، و لكن ذلك غير المدّعى، و هو توقّف مرجّح الأوّل على مرجّح الثاني، فإنّه ليس المسلّم نفس المدّعى، و لا يلزمه.
أمّا: أنّه ليس نفسه فواضح؛ لما قلناه من أنّ المسلّم هو توقّف الأوّل على الثاني، و هو
[١]. كما في فوائد الأصول ٤: ٧٨٥.
[٢]. في فوائد الأصول ٤: ٧٧٩- ٧٨١.