أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٨٢ - ٢ الترجيح بالصفات
أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه. و إنّما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و رسوله. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، و هلك من حيث لا يعلم».
قلت: فإن كان الخبران عنكما (١) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال: «ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة، و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة، و وافق العامّة».
قلت:- جعلت فداك- أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب، و السنّة، و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟
قال: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».
قلت:- جعلت فداك- فإن وافقهم الخبران جميعا؟
قال: «انظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك، و يؤخذ بالآخر».
قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟
قال: «إذا كان ذلك فأرجه (٢) (و في بعض النسخ: فأرجئه (٣))، حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». انتهت المقبولة.
أقول: (٤) من الواضح أنّ موردها التعارض بين الحاكمين، لا بين الراويين، و لكن لمّا كان الحكم و الفتوى في الصدر الأوّل يقعان بنصّ الأحاديث- لا أنّهما يقعان بتعبير من الحاكم، أو المفتي، كالعصور المتأخّرة استنباطا من الأحاديث- تعرّضت هذه المقبولة للرواية و الراوي؛ لارتباط الرواية بالحكم. و من هنا استدلّ بها على الترجيح للروايات المتعارضة.
غير أنّه- مع ذلك- لا يجعلها شاهدة على ما نحن فيه. و السرّ في ذلك واضح؛ لأنّ
[١]. أي: الباقر و الصادق (عليهما السّلام).- منه (قدّس سرّه)-.
(٢ و ٣). أي: أخّره.
[٤]. كما قال به المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣: ٣٦٦- ٣٦٧.