أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٧١ - الأمر الثاني القاعدة الثانويّة للمتعادلين
على تقدير الخطأ في تركهما لا معذّر له في مخالفة الواقع، بينما أنّه معذور في مخالفة الواقع لو أخذ بأحدهما. و هذا بخلاف ما لو لم يكن هذا الدليل الخاصّ موجودا، فإنّه يجوز له ترك العمل بهما معا، و إن استلزم مخالفة الواقع؛ إذ لا منجّز للواقع بالمتعارضين بمقتضى الأدلّة العامّة.
إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر لك أخبار الباب ليتّضح الحقّ في المسألة، فإنّ منها: ما يدلّ على التخيير مطلقا، و منها: ما يدلّ على التخيير في صورة التعادل، و منها: ما يدلّ على التوقّف. ثمّ نعقب عليها بما يقتضي، فنقول: إنّ الذي عثرنا عليه من الأخبار هو كما يلي:
١. خبر الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السّلام): قلت: يجيئنا الرجلان- و كلاهما ثقة- بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال: «فإذا لم تعلم، فموسّع عليك بأيّهما أخذت». (١)
و هذا الحديث بهذا المقدار منه ظاهر في التخيير بين المتعارضين مطلقا، و لكن صدره- الذي لم نذكره (٢)- مقيّد بالعرض على الكتاب، و السنّة، فهو يدلّ على أنّ التخيير إنّما هو بعد فقدان المرجّح، و لو في الجملة. (٣)
٢. خبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا سمعت من أصحابك الحديث، و كلّهم ثقة فموسّع عليك، حتى ترى القائم فتردّ عليه». (٤)
و هذا الخبر أيضا يستظهر منه التخيير مطلقا من كلمة «فموسّع عليك»، و يقيّد بالروايات الآتية الدالّة على الترجيح.
و لكن يمكن أن يناقش في استظهار التخيير منه:
أوّلا: بأنّ الخبر وارد في فرض التمكّن من لقاء الإمام و الأخذ منه، فلا يعلم شموله لحال الغيبة الذي يهمّنا إثباته؛ لأنّ الرخصة في التخيير مدّة قصيرة لا تستلزم الرّخصة فيه أبدا و لا تدلّ عليها. (٥)
[١]. وسائل الشيعة ١٨: ٨٧، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ٤٠.
[٢]. و هو قوله (عليه السّلام): «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه و أحاديثنا».
[٣]. هكذا ناقش فيه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣: ٣٦١- ٣٦٢.
[٤]. وسائل الشيعة ١٨: ٨٧، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ٤١.
[٥]. بهذا ناقش فيه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣: ٣٦٣.