أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٦٩ - الأمر الثاني القاعدة الثانويّة للمتعادلين
الأمر الثاني: القاعدة الثانويّة للمتعادلين
قد تقدّم أنّ القاعدة الأوّليّة في المتعادلين هي التساقط، (١) و لكن استفاضت الأخبار، بل تواترت في عدم التساقط، غير أنّ آراء الأصحاب اختلفت في استفادة نوع الحكم منها؛ لاختلافها على ثلاثة أقوال: (٢)
١. التخيير في الأخذ بأحدهما، و هو مختار المشهور، (٣) بل نقل الإجماع عليه. (٤)
٢. التوقّف بما يرجع إلى الاحتياط في العمل، و لو كان الاحتياط مخالفا لهما، كالجمع بين القصر و الإتمام في مورد تعارض الأدلّة بالنسبة إليهما.
و إنّما كان التوقّف يرجع إلى الاحتياط؛ لأنّ التوقّف يراد منه التوقّف في الفتوى على طبق أحدهما، و هذا يستلزم الاحتياط في العمل، كما في المورد الفاقد للنصّ مع العلم الإجماليّ بالحكم.
٣. وجوب الأخذ بما طابق منهما الاحتياط، فإن لم يكن فيهما ما يطابق الاحتياط تخيّر بينهما.
و لا بدّ من النظر في الأخبار لاستظهار الأصحّ من الأقوال. و قبل النظر فيها ينبغي الكلام عن إمكان صحّة هذه الأقوال جملة، بعد ما سبق من تحقيق أنّ القاعدة الأوّليّة بحكم العقل هي التساقط، فكيف يصحّ الحكم بعدم تساقطهما حينئذ؟! و أكثرها إشكالا هو القول بالتخيير بينهما؛ للمنافاة الظاهرة بين الحكم بتساقطهما، و بين الحكم بالتخيير.
نقول في الجواب عن هذا السؤال: إنّه إذا فرضت قيام الإجماع، و نهوض الأخبار على عدم تساقط المتعارضين، فإنّ ذلك يكشف عن جعل جديد من قبل الشارع لحجّيّة أحد
[١]. تقدّم في الصفحة: ٥٥٨.
[٢]. بل هي ستّة أقوال، كما في بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتي): ٤٢٢.
[٣]. فراجع معارج الأصول: ١٥٦؛ مبادئ الوصول: ٢٣٣؛ الفصول: ٤٥٤؛ مناهج الأحكام: ٣١٧، قوانين الأصول ٢: ٢٨٣؛ فرائد الأصول ٢: ٧٦٢، و غيرها من كتب المتأخّرين.
[٤]. و الناقل هو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول: ٥٠٢.