أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٥٣ - ٥ الحكومة و الورود
٥. الحكومة و الورود
و هذا البحث من مبتكرات الشيخ الأنصاريّ (رحمه اللّه)، و قد فتح به بابا جديدا في الأسلوب الاستدلاليّ، و لئن نشأ هذا الاصطلاح في عصره من قبل غيره- كما يبدو من التعبير بالحكومة و الورود في «جواهر الكلام» (١)-؛ فإنّه لم يكن بهذا التحديد و السعة اللذين انتهى إليهما الشيخ (قدّس سرّه).
و كان (رحمه اللّه)- على ما ينقل عنه- يصرّح بأنّ أساطين الفقه المتقدّمين لم يغفلوا عن مغزى ما كان يرمي إليه، و إن لم يبحثوه بصريح القول، و لا بهذا المصطلح.
و اللّفتة الكريمة منه كانت في ملاحظته لنوع من الأدلّة؛ إذ وجد أنّ من حقّها أن تقدّم على أدلّة أخرى في حين أنّها ليست بالنسبة إليها من قبيل الخاصّ و العامّ، بل قد يكون بينهما العموم من وجه، و لا يوجب هذا التقديم سقوط الأدلّة الأخرى عن الحجّيّة، و لا تجري بينهما قواعد التعارض؛ لأنّه لم يكن بينهما تكاذب بحسب لسانهما من ناحية أدائيّة، و لا منافاة، يعني أنّ لسان أحدهما لا يكذّب الآخر، و لا يبطله، بل أحدهما المعيّن من حقّه- بحسب لسانه و أدائه لمعناه، و عنوانه- أن يكون مقدّما على الآخر، تقديما لا يستلزم بطلان الآخر، و لا تكذيبه، و لا صرفه عن ظهوره.
و هذا هو العجيب في الأمر، و الجديد على الباحثين، و ذلك مثل تقديم أدلّة الأمارة على أدلّة الأصول العمليّة بلا إسقاط لحجّيّة الثانية، و لا صرف لظهورها.
و المعروف أنّ أحد اللامعين من تلامذته (٢) التقى به في درس الشيخ صاحب الجواهر (قدّس سرّه) قبل أن يتعرّف عليه، و قبل أن يعرف الشيخ (قدّس سرّه) بين الناس، و سأله سؤال امتهان (٣)، و اختبار عن سرّ تقديم دليل على آخر جاء ذكرهما في الدرس المذكور، فقال له: «إنّه حاكم عليه».
قال: «و ما الحكومة؟». فقال له: «يحتاج إلى أن تحضر درسي ستّة أشهر على الأقلّ لتفهم
[١]. جواهر الكلام ١: ٢٣٥.
[٢]. قيل: هو العلّامة ميرزا حبيب اللّه الرشتي صاحب «بدائع الأفكار».
[٣]. أي: احتقار.